Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

فن الحوار بين الإنصات والجدل

A A
في عالم التواصل، الحوارات تأخذ أشكالًا مختلفةً، وتُظهر لنا أنماطًا متعددةً من الشخصيَّات التي تُشارك فيها. البعض يستمع دون إنصات، والبعض الآخر ينصت دون أنْ يتكلم، وهناك مَن يتحدَّث بلا توقُّف وكأنَّه في قاعة تدريس. هذه الأنماط لا تعكس فقط طبيعة الأشخاص، بل تكشف أيضًا عن مدى فهمهم لفن الحوار واحترامهم لآدابه.

أتذكر حادثة وقعت لي عندما حضرتُ مؤتمرًا علميًّا جيولوجيًّا في إحدى الدول العربيَّة، حيث كان الموضوع المطروح في غاية الأهميَّة، والمتحدِّث يتمتَّع بخبرة واضحة، وطرح أفكارًا علميَّةً عميقةً في تخصصه. كان من المفترض أنْ تكون الجلسة مخصصةً للاستماع إلى محاضرته، ومن ثمَّ يُفتح النقاش للحضور في وقت محدَّد. لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها المتحدِّث حديثه، كان هناك عدد من الحاضرين يقاطعونه باستمرار، وكأنَّهم غير معنيين بالاستماع لما يقوله. كانوا يطرحون أسئلتهم، أو يعترضون على بعض النقاط في منتصف كلمته، غير مكترثين بأنَّ هناك وقتًا مخصصًا للنقاش بعد انتهاء العرض. بدا الأمر وكأنَّ الحوار فَقَدَ جوهره، وتحوَّل إلى حالة من التشويش والفوضى.

ما أدهشني في تلك الحادثة، هو أن المتحدث حاول مراراً أن يطلب من الحضور الانتظار حتى ينهي حديثه، لكن دون جدوى، إذ استمر البعض في المقاطعة وكأنهم يريدون أن يكونوا هم محور الجلسة. هذا السلوك لم يؤثر فقط على سير الجلسة، بل جعل الكثير من الأفكار التي أراد المتحدث إيصالها تضيع وسط المقاطعات. شعرت حينها أن ثقافة الحوار ليست مجرد مهارة، بل هي انعكاس لاحترام الآخرين وتقديرهم.

هذا المشهد جعلني أفكِّر في الأنماط المختلفة التي نواجها في الحوارات اليوميَّة. هناك مَن يستمع فقط دون تركيز، وهناك مَن ينصت باهتمام لكنَّه يفضِّل الصمت ولا يعبِّر عن رأيه. في المقابل، نجد مَن يحب أنْ يُكرِّر نفس الأفكار أو القصص التي رواها من قبل، وكأنَّه يخشى أنْ تُنسى. وبعض الناس يتقمَّصون دور الأستاذ، فيحاولون فرض آرائهم على الجميع، غير مدركين أنَّ الحوار ليس درسًا، بل هو تبادل للأفكار.

لكن ما يربط بين كل هذه الأنماط، هو غياب التوازن. الحوار الحقيقي يحتاج إلى الإنصات الفعَّال، حيث يُعطي كل شخص فرصة للتعبير، مع احترام المساحة الزمنيَّة لكل طرف. كما أنَّ التفاعل المتزن يُثري النقاش ويجعله أكثر إنتاجيَّة. يا للأسف، ما رأيته في ذلك المؤتمر كان مثالًا حيًّا على غياب هذا التوازن، حيث طغى حب الاستعراض والسيطرة على رغبة الاستفادة وتبادل الأفكار.

وختامًا، تذكَّرتُ كيف أنَّ بعض الحوارات التليفزيونيَّة في منطقتنا قد تتطوَّر إلى عراك لفظيٍّ، بل وأحيانًا تصل إلى عراك يدويٍّ. هذا يظهر بوضوح كيف يمكن أنْ يتحوَّل الحوار من وسيلة للتفاهم، إلى ساحة للصراع، فقط لأنَّ البعض يفتقرون إلى مهارات الاستماع واحترام الآخر. الحوار المثمر لا يقوم على الصوت الأعلى أو القوة، بل على الفهم المشترك والاحترام المتبادل. إذا أردنا أنْ نرتقي بحواراتنا، فعلينا أنْ نتعلَّم كيف ننصت ونتحدَّث بوعي، وأنْ ندرك أنَّ الكلمة يمكن أنْ تكون أقوى من أيِّ فعل، إذا استُخدمت بحكمةٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store