الأمن الفكري في موسم الحجِّ يُعدُّ من القضايا المهمَّة، التي تعكس جهود حكومة خادم الحرمين الشَّريفين في تعزيز السَّلام والأمان بين حجَّاج بيت الله الحرام. حيث تسعى الدولة ممثَّلةً في قيادتها الرَّشيدة، وبكل طاقتها البشريَّة والماديَّة، إلى توفير بيئة آمنة ومطمئنة للحجَّاج، من خلال عدَّة جوانب منها: توعية الحجَّاج حيث تقوم الحكومة بإطلاق حملات توعويَّة، تهدف إلى تعزيز الفهم الصحيح للدِّين، ومكافحة الفكر المتطرِّف، والتي تشمل محاضرات، وندوات توعويَّة داخل وخارج المملكة.
عند كتابة هذه الكلمات، كنتُ أستمعُ لخطبة الجمعة من رحاب المسجد الحرام، لفضيلة الشيخ عبدالرحمن السديس، الذي تحدَّث في مستهلها عن الأمن الفكريِّ، وعن العقل مناط التكليف، وبأنَّ تحكيم العقل يتطلَّب البُعد عن الأفكار المتطرِّفة والمضلِّلة، وأنَّ الوعي المجتمعي هو بوابة الأمن المجتمعيِّ، مشيدًا بالدور الذي تقوم به كافة أجهزة الدولة؛ لتوفير أفضل الخدمات، وبجودة عالية لضيوف الرَّحمن؛ ليؤدُّوا مناسكهم بسكينة وطمأنينة.
كل ما نستشعره من تطوُّر في خدمات تُقدَّم لضيوف الرَّحمن يرافقه حتمًا تنسيق أمني، يوفِّر الحماية للحجَّاج، ويسهم في تقليل المخاطر الأمنيَّة، وبتناغم مؤسسيٍّ مع وزارة الصحَّة يعيش الحجَّاج حالةً صحيَّةً مستقرَّةً.. وكذلك تسهيل الإجراءات للدخول والخروج للحجَّاج، وتوفير خدمات متكاملة للنقل والإقامة، تُسهم في خلق تجربة حجٍّ سلسةٍ وآمنةٍ.
ولأنَّني من أهل المدينة النبويَّة، أعرفُ جيِّدًا وأتلمَّسُ ما يحدث من تطوُّر مبهر في الخدمات، ما بين الماضي والحاضر، وأفتخرُ بما تقدِّمه حكومة المملكة في هذا الشأن، والتي لا تكتفي إطلاقًا عند حدٍّ معيَّن من الإنجاز، بل تحرص على مستويات عالية من الجودة والإتقان، ففي كلِّ عام هناك جديد من خدمات متميِّزة من أجل رحلة الحجِّ الاستثنائيَّة في حياة كل مسلم على وجه الأرض، ولتكون السعوديَّة دومًا محط الأنظار في التميُّز في الأداء في كافة الأجهزة الحكوميَّة والخاصَّة؛ وليقدِّم شبابنا تجربةً نوعيَّةً في التطوُّع، ومساعدة كلِّ مَن يطلب العون والمساندة في سبيل تسهيل مهمَّته في المدينتين المقدَّستين وفي المشاعر المقدَّسة.
للسعوديَّة تجربة فريدة من نوعها، ومدرسة خاصَّة جدًّا في عمليَّة إدارة الحشود، والتي يندر وجودها على كوكب الأرض، في بقعة واحدة، ومساحة محدودة، تجمع الملايين من البشر، وهم في أمن تام، وسلامة تامة، وذلكَ فضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشاءُ مِن عِبَادِهِ.
نحن -السعوديِّين- فخورُون بخدمة الحرمين الشَّريفين، وبحُسن ضيافة ورعاية ضيوف الرَّحمن على مدار العام، وفي موسم الحجِّ تستنفر كل الطاقات والإمكانات؛ لنكون على قدر التحدِّي -دومًا- وبأعلى معايير من التميُّز المؤسسيِّ والفرديِّ على حدٍّ سواءٍ. كل فرد منَّا يعي حجم الأمانة، ويبقى للإعلام كلمته، وللصورة توثيقها الذي ينقل الصورة المشرقة الحقيقيَّة لصناعة الإنجاز السعوديِّ المستمر في كل المجالات.
هنا السعودية، مهبط الوحي، ومثوى سيد المرسلين. وهنا يجتمع ملايين المسلمين، والذين ينقلون لأوطانهم، وشعوب الأرض من نحن؟ وكيف تكون هذه الأرض هي الأحب والأقرب لقلوبهم، وأرواحهم؟ ويحملون معهم ذكرياتهم الجميلة عن الإنسان السعودي، الذي يحمل هوية وطنية سعودية معتدلة وسطية، ننشر الحب والسلام والتسامح، ونساهم في بناء مجتمع متماسك يعرف دوره في خارطة الحضارة الإنسانية.
كل هذه الجهود تجسِّد رُؤية المملكة 2030 الطَّموحة، التي تسهم في تعزيز الأمن الفكريِّ، وتحقيق الاستقرار والنمو، وتجعل من موسم الحجِّ تجربةً فريدةً ومثاليَّةً تحفر في ذاكرة كلِّ مسلم؛ لتكون رحلة العمر، فيعود الحاج لوطنه، وقد اكتفى روحيًّا ونفسيًّا من متطلَّباته الدينيَّة في زيارة لن ينساها أبد الحياة، وسيعود معه أجمل الذكريات، مع علاقات إنسانيَّة استثمرها من خلال التبادل الثقافيِّ والإنسانيِّ مع كافة شعوب الأرض، على هذه الأرض المباركة.


