يقول سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان: «إنَّنا نفخر بإرثنا الثقافيِّ والتاريخيِّ السعوديِّ والعربيِّ والإسلاميِّ، وندرك أهميَّة المحافظة عليه؛ لتعزيز الوحدة الوطنيَّة، وترسيخ القيم العربيَّة الأصيلة.
إنَّ أرضنا عُرفت على مرِّ التاريخ بحضاراتها العريقة، وطرقها التجاريَّة، التي ربطت حضارات العالم بعضها ببعض؛ ممَّا أكسبها تنوُّعًا وعمقًا ثقافيًّا فريدًا».
كيف نقرأ وندرك مدلولات هذه السطور؟
بتمعُّن وتفكيك يتبيَّن مدى ما تُشير إليه عن العمق التاريخيِّ، والزخم الحضاريِّ، والحُمُولات الثقافيَّة لهويتنا الوطنيَّة. أرضنا -كما أشار سموُّه- تزخر بتاريخ يمتدُّ في أبعاده لآلاف السنين، فمنذ القِدم شهدت ولادة أوَّل استيطانٍ بشريٍّ، حين تلاقى آدم وحواء -عليهما السَّلام- على هذه الأرض المباركة؛ ليبدأ معهما ولادة الحضور البشريِّ على الأرض، وليمتد إلى كافَّة أرجاء الأرض تعميرًا وتحضُّرًا. ثمَّ تواصلت الحضارات القديمة (عاد، وثمود، ومدين، وكندة)؛ ولتصل إلى نورٍ شعَّ من مكَّة المكرَّمة؛ ليعمَّ العالم بالبعثة المحمديَّة -على سيدنا محمد أفضل الصلاة، وأتم التسليم-، وظهور الإسلام دينًا لم تعرف البشريَّة مثله في الوسطيَّة والتسامح. ثمَّ يبزغ ضياء بتأسيس الدولة السعوديَّة التي وحَّدت شبه الجزيرة العربيَّة في وحدة عمَّت تأثيراتها العالمَين العربي والإسلامي، فكما يقول المؤرِّخ البريطاني هولت، عن تأثير الدولة السعوديَّة الأولى، بأن: «نجاحها وتأثيرها في بثِّ بعثٍ حقيقيٍّ للإسلام، عمَّ مناطق عدَّة من العالم الإسلاميِّ». وامتدادًا، صنع الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وحدةً فريدةً؛ لتغدو الوحدة العربيَّة الوحيدة الناجحة في تاريخ العرب الحديث والمعاصر.
حديث الأمير محمد لا يبعث الاعتزاز بهويَّتنا الوطنيَّة فقط، بل يحتِّم علينا -أيضًا- الحرص على ما تزخر به من حُمُولات تاريخيَّة ضخمة، من خلال العناية بالتاريخ، ومدارسه المتنوِّعة، ولعل الإشادة التي أشار إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوله: «إنَّ السَّلام والازدهار والتقدُّم لم يأتِ في نهاية المطاف من الرفض الجذريِّ لتراثكم، بل من اعتناق تقاليدكم الوطنيَّة، واعتناق التراث نفسه الذي تحبُّونه حبًّا جمًّا»، خلال زيارته للمملكة، على ما شاهده من اعتزاز في مراسم الاحتفال به، بثقافتنا، وتراثنا الوطنيِّ، إنَّما هو دليل على أهميَّة أنْ تكون الشعوب معتزَّةً ومحافِظةً على تاريخها وثقافتها الخاصَّة.


