عندما أرى بعض طلاب وطالبات «موهبة»، أجد بعضهم لديه تصوُّرات بحثيَّة خياليَّة بعيدة المدى، ومن حقهم ذلك، وهو تعبير عن خيالهم في مثل سنِّهم، لكنَّه في عالم التجربة والتخصص والبحث العلمي يحول دون تحقيقه تطبيقات تقنية صعبة المراس، ويُعدُّ ضربًا من الخيال، ولا شكَّ أنَّ بتكثيف اللقاءات معهم وتوجيههم لمزيد من التحضير والقراءة يمكن التوصل إلى الفكر الإبداعي الذي ينتج عنه ماهو جديد ومفيد، يصل إلى حد الابتكارات، فهل الخيال العلمي في الماضي والحاضر علم أم خيال؟
إنَّ الطيران، وصناعة الطيارات، واختراق الفضاء، كان يومًا من الأيام خيالًا، وقد كان في البداية في خيال العالم المسلم المبتكر عباس بن فرناس، الذي عاش في قرطبة في ازدهار العطاء العلميِّ للمسلمين في الأندلس (وُلد عام 810 ميلادي)، حيث قاده الخيال العلمي في صناعة آلة بدائية للطيران، بعد أنْ درس بإسهاب، وبحث خصائص الطيران عند الطيور، فكان أوَّل إنسان يفكِّر بالطيران، واختراق الجو، وعندما أقدم على التطبيق، كسا نفسه بالريش، ومدَّ له جناحين، ولم يعمل له ذيل. وفعلًا بدأ خط سير طيرانه من منطقة الرصافة في مدينة قرطبة على مشهد وتجمُّع من الناس، حيث ارتقى فوق مرتفع، وحرَّك جناحيه، وقفز في الجوِّ، وحلَّق في فضاء قرطبة، حيث سار مسافة بعيدة عن المكان الذي انطلق منه، لكنَّ مشكلته كانت في الهبوط على الأرض، فقد فاته أنَّ الطائر إنَّما يقع على إخفاض ذيله أوَّلًا قبل الهبوط، فسقط وتأذَّى ظهره، لكنَّه لم يمت.
نعود إلى فكرة الخيال العلمي، فأنا ممَّن يذهب إلى أبعد الحدود في تصديق العلم، ولو كان خيالًا، ولكن بالانضباط البحثيِّ ومعايير إمكانيَّة متابعة أيِّ خيال علمي بالأدوات التجريبية. وهناك أمور خياليَّة كثيرة، يمكن أنْ يساعد الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحقيقها، وتتحوَّل إلى حقائق علميَّة، فمثلًا استعمال الجوَّال يومًا ما، سيكون من قديم المنتج التقني، بل عن قريب يمكن نستغني عنه بشرائح صغيرة جدًّا «ميكرونيَّة» ذات سعة تخزينيَّة وبرامج تقنية ذات مواصفات بيولوجيَّة، أي تحمل صفات بيولوجيَّة تتعايش مع جسم الإنسان البيولوجي، وتؤدِّي جميع العمليَّات والبرامج التقنيَّة الموجودة في الجوال دون الحاجة للجهاز، إنَّما شريحة تزرع تحت الجلد، وتبقى مدى الحياة حتَّى شحنها يمكن أنْ يكون ذاتيًّا من الخلايا البيولوجيَّة القريبة منها (طاقة بيولوجيَّة)، فهناك خيالات علميَّة كثيرة نجدها في القصص والروايات والأفلام والمسلسلات بعضها قابلة لأنْ تكون في يوم من الأيام حقائق، بينما بعضها مبالغ فيه، وهي من نسيج الخيالات، وصالحة لأنْ تكون فقط للتصوُّر والتخيُّل، وفتح آفاق التصوُّرات الذهنيَّة.
إن طلاب وطالبات موهبة، مهيأون للابتكارات، من خلال جديد أفكارهم وخيالاتهم العلمية، وتصوراتهم الذهنية، ورعاية المؤسسة لهم، وتشجيعهم لحضور اللقاءات والمنافسات العلمية الدولية؛ لأن ذلك يمنحهم تقديم أفضل ما عندهم من الإنجازات.


