بدءًا من حادثة سقيفة بني ساعدة، لاختيار مَن يحكم المدينة بعد وفاة الرسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- كانت بداية نشوء الخلاف السياسيِّ على مَن يتولَّى السلطة في المدينة المنوَّرة بعد الرسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حيث تمَّ احتواء ذلك الخلاف؛ بتولِّي أبي بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- ثمَّ تنامت واتَّسعت بين بني أميَّة، وبني العباس، ثمَّ تحوَّلت إلى خلافات مذهبيَّة نمت وتكاثرت تبعًا لتنامي الخلافات السياسيَّة، حيث ظهرت في العصر العباسيِّ بدعم من الفرس واليهود -آنذاك- حين برز ما يُسمَّى بـ»المحدِّثين»، والذين كان لهم الأثر الكبير في تأجيج تلك الخلافات؛ ولأنَّ الحديث حول ذلك يحتاج لمجلدات، فقد تجاوزته، واقتصر الحديث على فئتين رئيستين تُعدَّان الأساس في ذلك الخلاف وهما:
- القرآنيون: وهم مَن اتَّخذ القرآن وما وافقه من الأحاديث فقط مصدرًا تشريعيًّا لهم.
- أهل السنَّة والجماعة: وهم تحديدًا منقسمون إلى مذاهب وشِعب بالمئات، كل مذهب منهم يُغنِّى على ليلاه، بعد أنْ اتَّخذت كل فئة كلام شيوخها مرجعًا لها؛ انطلاقًا من تلك الأحاديث التي يُعدُّ بعضها ضعيفًا أو مكذوبًا.
وحتى يكون للمتلقِّي رأيٌّ، ويكون للعقل المتدبِّر حكمٌ، فقد اختلقتُ هذا الحوار بين الطرفين:
- القرآني: عندما بعث اللهُ -تعالى- رسولَه، أنزل عليه كتابًا من السَّماء هو القرآن، وضمَّن هذا الكتاب كلَّ ما تحتاجه الأُمة حتَّى يوم القيامة، من تشريع أكمله الله وأتمه، وفصَّله، وفسَّره، وحفظه من العبث والتَّحريف، فاتَّخذه الرسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- تشريعًا، فالرسول كان قرآنيًّا كما قالت السيِّدة عائشة -رضي الله عنها- حين قالت: (كَانَ قُرآنًا يَمْشِي علَى الأَرضِ)، فهو لا يخالف ما جاء به من عند الله في هذا الكتاب، ثمَّ التزم الصحابة والتابعون حتَّى نهاية القرن الثاني الهجريِّ بهذا الأمر، ولم يكتب عنه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أيَّ حديث، إلَّا ما كان موافقًا لآية من كتاب الله، لكنْ نظرًا لدخول الفرس واليهود إلى مفاصل الدولة العباسيَّة، كذَّبوا وزوَّرا الكثير من الأحاديث؛ ليكون تشريعًا بشريًّا؛ طلبًا لضرب الأمة في مصدر قوَّتها، وهو دينها، فكيف تتبعون أحاديث منسوبة إلى رسول الله، كُتبت بعد قرنين عن طريق العنعنة (ميت، عن ميتٍ، عن ميتٍ) حيث ثبت كذبُ بعضِها وضعفُ بعضِها، وهي في مجملها ظنيَّة؟ ولِمَ لا يكون لكم كتاب الله تعالى هو التَّشريع الثَّابت اليقيني، وهو الذي قال الله فيه: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، وقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ)، وقوله تعالى: (وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
- السني: سوف أردُّ عليك بالقرآن أيضًا، ألم يقل الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، وألم يقل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فكيف تكون طاعته؟ ولك أسأل: ألم تكن السنَّة الوحي الثاني لنلتزم بها؟ وكيف عرفنا الصَّلاة، والزَّكاة، والحج، وعدد الصَّلوات، وعدد ركعات كلِّ صلاة؟
- القرآني: هداك الله، فهنا تكمن الحكمة في فهم وتدبُّر آيات كتاب الله، فالآيتان اللتان ذكرتهما لهما أسباب نزول، توضح تفسيرهما فقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ.....) نزلت عند توزيع الغنائم، وغضب بعض رؤساء القبائل، ونزلت الآية لتوجيههم، والآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ....) نزلت لمخالفة بعض الصحابة لأوامر رسول الله، في إحدى الغزوات، فَعُد لسبب نزول الآيتين ستجد التوضيح؟ يتبع .... (2)


