Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

حين يصبح رأسك أكثر ضجيجًا من العالم!!

A A
يصل الإنسان أحيانًا إلى نقطة في حياته يشعر فيها أن العالم يتحرك من حوله، بينما هو عالق في مكانه، كأنه جسد بلا ظل في زحام الحياة. لا ألم جسديًا يُذكر، ولا مشكلة واضحة، مجرد ضباب كثيف يلف الروح، فيُصبح كل شيء حتى الأشياء التي كانت تُبهجه بلا طعم، وبلا معنى. هذا الشعور هو أزمة هوية، حين تتصادم الأسئلة الكبيرة داخلنا وفي عقولنا: لماذا أنا هنا؟ ما هدفي؟ هل أنا على الطريق الصحيح؟ بينما يبدو الجميع -أو هكذا نعتقد- واثقين من اتجاههم، منشغلين بأحلامهم، يسيرون بخطى ثابتة، ونحن وحدنا في المنتصف، بلا خريطة.

هذا الشعور لا يعلن عن نفسه بصوت مرتفع، بل يتسلل بهدوء، ويختبئ خلف أقنعة يصعب اختراقها. نرسم الابتسامات على وجوهنا كواجب يومي، ننشغل بالعمل أو الدراسة كمهرب، ونردد «أنا بخير» بطريقة أشبه بشفرة لا يريد أحد أن يفكها. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2023، فإن واحدًا من كل ثلاثة شباب يعانون من مشاعر الحيرة والضياع تجاه هويتهم أو مستقبلهم. ومع ذلك، نادراً ما نتحدث عن الأمر، لأن المجتمع لا يحب أن يرى «الضعف» فيمن يُفترض أنهم في قمة النشاط والطموح.

ربما يظن البعض أن مرحلة الشباب هي أجمل المراحل، مليئة بالحماس والانطلاق، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. هذه المرحلة بالذات أرض خصبة للقلق، حيث تتصادم توقعات المجتمع مع هوية لم تتشكل بعد، ويُضاف إليها ضغط المقارنات القاسية التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي، وضبابية المستقبل في عالم يتغير كل يوم.

لا يجد كثير من الشباب وقتاً أو مساحة ليسألوا أنفسهم أسئلة وجودية صعبة مثل: ماذا لو لم أكن ناجحاً كما يفترض؟ هل أعيش الحياة التي أريدها أم تلك التي ينتظرها الآخرون مني؟ هل السعادة حقيقية، أم مجرد وهم نسعى وراءه؟

ولعل من أبرز من تحدث عن هذه الحالة بصراحة وجرأة، الكاتب الأمريكي جون غرين في روايته الشهيرة السلاحف طوال الطريق (Turtles All the Way Down)، حيث جسّد عبر شخصية «آزا» مشاعر القلق الوجودي والتفكير القهري التي عاشها بنفسه لسنوات. لم تكن «آزا» تعاني من مآسٍ خارجية، لكنها كانت غارقة في صراع داخلي لا يهدأ، بين التفكير المستمر والخوف من فقدان السيطرة على نفسها. في إحدى المقابلات قال غرين: «كنت أعيش في رأسي أكثر من عيشي في العالم، وكان رأسي مكانًا مخيفًا ومربكًا.» ومع أنه كان يحقق النجاح تلو الآخر، ظل يشعر بالضياع. لكن حين كتب، بدأ يتصالح مع ذاته، ووجد عشرات الآلاف في قصته أنفسهم، وشعروا -ربما لأول مرة- أن أحدًا يفهم ما يمرون به.

التعامل مع هذا النوع من الحيرة لا يبدأ بالحلول الجاهزة، بل بالاعتراف. الاعتراف بأننا لسنا على ما يرام، وأن هذا لا يعني أننا ضعفاء أو فاشلون.

الحيرة في حقيقتها علامة على العمق، وعلى أن الروح ما زالت حية وتبحث. ربما لا نحتاج إلى معرفة «هدف الحياة» كله دفعة واحدة، لكن يمكننا أن نبحث عن معنى صغير ليومنا، عن شيء بسيط يجعلنا نشعر أن وجودنا ليس عبثًا. يمكننا أن نتحدث مع من نثق بهم، نبوح دون خوف من الحكم، وندرك أن بعض الأسئلة لا تملك إجابات الآن، لكنها تحتاج فقط أن تُطرح.

الكتابة عن هذا الضيق ليست ترفًا، بل ضرورة. لأن الكلمات تضيء الزوايا المظلمة في داخلنا، وتجعل ما نمر به مفهوماً. حين نسمي الشعور باسمه، نصبح أقل وحدة، ونمنح أنفسنا الإذن لنشعر، لنبحث، ولنخطئ. ربما لا تختفي الحيرة بين ليلة وضحاها، لكنها تهدأ حين نعرف أننا لسنا وحدنا. وأن هذا الضيق او الحيرة... لها اسم.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store