المقصود هنا هو المركبات ذات التحكم عن بُعد، سواء كانت في البر، أو البحر، أو الجو.. وبالنسبة للمركبات الجوية، أؤكد على اعتراضي على مصطلح «الطائرات بدون طيار»، لأن كون الطيار خارج المركبة لا يعني أنها تسير «سبهللي».. حتى لو كانت مبرمجة باستخدام الذكاء الاصطناعي للعمل الاستقلالي.. هناك ضرورة للتدخل البشري بشكل أو بآخر في التحكم، أو البرمجة. وتاريخ المسيّرات كان مشبعاً «بالعسكرة» والتسليح، وبالذات المراقبة أو التحكم، أو حمل الأسلحة واستخدامها عبر التاريخ. وكانت نقاط التحول هي تطبيقات استخدام الراديو، والتحكم، والثبات قبل حوالي تسعين سنة. الموضوع باختصار هو أن المسيّرات كانت مقرونة بالدمار.. وأخص بالذكر أسلحة الانتقام الألمانية الشهيرة خلال آخر أيام الحرب العالمية الثانية الشهيرة باسم «فرجل تونج سوافه» vergeltungswaffe، وكانت أسلحة دمار شامل ورعب ضد المدنيين، بالذات ضد سكان العاصمة البريطانية، و»أنتويرب» البلجيكية. وبالرغم من فعالية المسيّرات في الدمار، فلم تُستخدم على نطاق واسع في أي قوات جوية إلى مطلع القرن الحادي والعشرين. جدير بالذكر أن أحد رواد مجال «المسيّرات الطائرة» كان العراقي اليهودي «إيراهيم كارم»، الذي هاجر من العراق للكيان الصهيوني في الخمسينيات، وعمل في قواتهم الجوية «هيل ها أفير» لفترةٍ ثم هاجر إلى الولايات المتحدة في الثمانينيات، وأسس شركة «جنرال أتومكس» لتصبح إحدى الشركات الرائدة عالمياً في تصميم وتصنيع المسيّرات. واليوم توجد منافسة شديدة في عالم المسيّرات العسكرية، بالذات بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وتركيا، والكيان الصهيوني.. ولكن العالم شهد التحول في «ديمقراطية» تقنية الدمار بدخول المسيّرات التركية، وبالذات من طراز «بيرقدار» التي استخدمتها أوكرانيا بنجاح في الحرب مع روسيا منذ 24 فبراير 2022، ورأينا أيضاً دخول المسيّرات الإيرانية الصنع وأشهرها طرازات «مهاجر» و»شاهد» و»أبابيل»، وقد استخدمت بعضها من القوات الروسية في الحرب ضد أوكرانيا. في مطلع هذا الشهر قامت القوات الأوكرانية بعملية جريئة باستخدام المسيرات في قلب الأراضي الروسية لضرب مجموعات من قاذفات القنابل في مواقع متفرقة تصل إلى أكثر من ستة آلاف كيلومتر من مصدرها.. ما يعادل المسافة تقريباً من وسط جدة إلى وسط العاصمة التايلاندية «بانكوك».. وتحديداً، قامت 117 مسيّرة محمولة بداخل شاحنات بتدمير طائرات حربية ثقيلة وثمينة جداً، وهي جاثمة على أراضي ست قواعد جوية، ودمرت حوالى أربعين طائرة.. وبعدها جاء الرد الروسي باستخدام حوالى أربعمائة مسيّرة ضربت الأراضي الأوكرانية رداً على العملية العسكرية. ثم بعدها شهدنا على الهواء الهجوم الإسرائيلي على إيران، والذي استخدمت فيه الطائرات والمسيّرات لتنسيق وضرب الأهداف المختلفة. وجاء الرد الإيراني باستخدام الصواريخ والمسيّرات المختلفة للرد على الهجوم.
* أمنيــــــــــة:
أتمنى أن نتذكر نعمة الله علينا في هذا الوطن العظيم.. وسط كل هذه الاستخدامات العالمية المدمرة للمسيّرات، جاءت الاستخدامات السعودية السلمية الجميلة لخدمة ضيوف الرحمن.. وكانت تشمل لأول مرة استخدام مئات المسيّرات السعودية لنقل المعدات الطبية، والأدوية للإسعافات خلال موسم الحج.. تأمَّل في المفارقات العجيبة.. ناس فخورون باستخدامات المسيّرات للهجوم العسكري وللدمار، ونحن فخورون باستخدام المسيّرات السعودية لسلامة وخدمة ضيوف الرحمن، ولله الحمد والشكر، وهو من وراء القصد.


