تشرَّفتُ بالإهداء الجميل لمجموعة الإصدارات التي أكرمني بها صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم، أثناء زيارة عدد من أعضاء مجلس الشورى القدامى لسموِّه خلال رحلتنا إلى القصيم.
وهي إصدارات ألَّفها سموُّه، وعكست عمق فكره، وغزير معرفته التي مزج فيها الأصالة بالمعاصرة، وقدَّم طيفًا واسعًا من العلوم والمعارف التي استحضرت التاريخ، والقيم الدينيَّة الأصيلة، وأبحرت في دروب السياسة والدبلوماسيَّة، وجسَّدت صور الولاء والوفاء والانتماء، والاعتزاز بأمجاد الماضي، وإنجازات الحاضر، والتطلُّع نحو المستقبل.
ولا نستغرب ذلك من سموِّه، وهو المتخصص في العلوم السياسيَّة، والحاصل على جائزة «شخصيَّة العام للمسؤوليَّة الاجتماعيَّة لعام 2024» من الشبكة الإقليميَّة ضمن التصنيف المهنيِّ لأكثر الشخصيَّات العربيَّة تأثيرًا في مجال المسؤوليَّة الاجتماعيَّة.
تنقَّلتُ في منظومة الإصدارات، وكتيبات المحاضرات، وأوراق العمل التي ألقاها سموُّه في عدد من المناسبات، فوجدتُها كالعِقدِ الفريد، حيث شكَّلت في غزارة مضمونها، وثراء وتنوُّع محتواها خزائن ثقافيَّة، وزادًا معرفيًّا متجدِّدًا لكلِّ مَن يطَّلع عليها.
وكان ممَّا لفت نظري في هذه المنظومة الفكريَّة، كتاب: «المختصر في تاريخ الدولة السعوديَّة»، الذي يبحر قارئه في رحلة تاريخيَّة تحكي عراقة الماضي، وتجسِّد إبداعات الحاضر، وتستشرف آفاق المستقبل، مجسِّدةً ملاحم الوطن التي بدأت بالدولة السعوديَّة الأُولى، التي انطلقت من مدن وقرى وادي حنيفة، على يد مؤسِّسها الإمام محمد بن سعود في الدرعيَّة، ثمَّ الدولة السعوديَّة الثانية التي أسَّسها الإمام تركي بن عبدالله، وسط ظروف صعبة سادت فيها الخلافات والنزاعات بين العديد من القوى السياسيَّة -آنذاك-، وصولًا إلى الدولة السعوديَّة الثالثة التي أسَّسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -يرحمه الله- وشكَّلت بعد توحيد المملكة نموذجًا حضاريًّا فريدًا في معادلة التنمية والازدهار، التي تألَّقت في هذا العهد الزاهر لخادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان.
وخلال الساعات التي قضيتُها بين منظومة مؤلَّفات سموِّه، اطَّلعتُ على كتاب «الدبلوماسيَّة والمراسم الإسلاميَّة»، الذي يكشف في فصوله الثمانية جانبًا مشرقًا من الكنوز العلميَّة والأخلاقيَّة في مصادر تراثنا الثقافيِّ والإسلاميِّ، في ظل انتشار المفاهيم الغربيَّة حول المراسم والتشريفات التي تكاد تصرف الكثير من المسلمين عن ثقافتنا الإسلاميَّة الأصيلة، التي احتفت بهذا الموضوع، الذي يمثِّل فيها جزءًا من الأصالة، والنهج القويم، والذوق السليم، في التعامل اليومي مع ذواتنا، ومع الآخرين.
نبحر في ثنايا الكتاب مع طيف واسع من أُسس الدبلوماسيَّة في تراثنا الإسلاميِّ، وما حواه من مفاهيم حضاريَّة سامية حول المراسم، والتشريفات، والسفراء، في إطار تنظيم العلاقة مع الآخر، إضافة إلى ما يزخر به من آداب عامَّة عرفها المسلمون وطبَّقوها في مختلف جوانب حياتهم، في المأكل، والملبس، والمشرب، والنوم، والاستيقاظ، وإكرام الضيف، وآداب الزيارة، والتعامل مع المرأة، وغيرها من نماذج (الاتيكيت) الحضاريِّ التي تؤكِّد أنَّ تراثنا الإسلاميَّ مورد زاخر نغترفُ منه الآداب الرَّاقية، والفضائل السَّامية، والمُثل العُليا.
الحديث عن منظومة إصدارات سموِّ الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود هو حديث ذو شجون، لن تكفيه هذه المساحة، ولعلَّنا نتوقَّف في مقال آخر مع كتاب سموِّه المعنون بـ(المجالس المفتوحة والمفهوم الإسلامي للحكم في سياسة المملكة العربيَّة السعوديَّة)، الذي يعكس جهدًا بحثيًّا واسعًا قدَّمه سموُّه بعد أنْ جعله أطروحةً لنَيل شهادة الماجستير.


