لم تكن الحرب التي اندلعت في مطلع يونيو 2025 بين إيران وإسرائيل مجرد جولة تصعيد عسكري عابرة، بل لحظة فارقة في الصراع المعقّد الذي ظل يتغذى على الشكوك والتهديدات لعقود. على مدى اثني عشر يوماً، تبادلت الدولتان الضربات المباشرة، بعد أن كانت المواجهة محصورة في ميادين الآخرين، لا سيما في سوريا ولبنان. ومع أن صوت المدافع خفت، إلا أن تداعيات هذه الحرب لا تزال تتردد في أروقة السياسة الإقليمية والدولية، وسط تساؤلات عن دوافعها الحقيقية، وأهدافها المعلنة والمضمَرة، وما إذا كانت مقدمات لحل سياسي... أم بوابة لحرب أكبر.
جذور الحرب: التراكم لا الانفجار المفاجئ
تراكمت عوامل الانفجار بين إيران وإسرائيل طيلة سنوات، بدءًا من العداء الأيديولوجي العلني، ومرورًا بالتنافس الإقليمي على النفوذ، وانتهاءً ببرنامج إيران النووي الذي تعتبره إسرائيل تهديدًا وجوديًا. لكن ما جعل شرارة المواجهة تشتعل هو قيام إسرائيل، وفق ما ذكرت وسائل إعلام غربية، بقصف منشأة نووية قيد التطوير في منطقة نطنز، ضمن سياسة “الضربات الوقائية”.
الرد الإيراني جاء سريعًا ومباشرًا، بإطلاق صواريخ بالستية على قواعد إسرائيلية في النقب والجليل.
أهداف الأطراف: رسالة بالنار
بالنسبة لإسرائيل، الهدف كان توجيه ضربة تمنع إيران من الاقتراب من العتبة النووية، وتعيد فرض خطوط ردع حمراء بعد ما رأته تل أبيب “تراخيًا دوليًا” تجاه طهران. كما أن حكومة نتنياهو أرادت أن تُظهر أنها لا تزال قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة، رغم الأزمات الداخلية والضغوط الدولية.
في المقابل، سعت إيران إلى تأكيد قدرتها على الرد المباشر، وإرسال رسالة مزدوجة: أولاً لإسرائيل بأن زمن الردع من جانب واحد قد انتهى، وثانيًا لحلفائها وشعبها بأن النظام ما زال صامدًا وقويًا أمام الاستهداف الخارجي، خصوصًا بعد موجات من العقوبات الاقتصادية القاسية.
الخسائر والنتائج: لا منتصر في الحرب
أسفرت الحرب عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، بينهم مدنيون كثر. المنشآت النووية الإيرانية تضررت جزئيًا، كما تضررت بنى تحتية إسرائيلية بسبب ضربات دقيقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن رغم الدمار، لم تحقّق أي من الدولتين نصرًا حاسمًا. إيران لم تُمنَع من استكمال مشروعها النووي، وإسرائيل لم تنجح في تدمير البرنامج. ما تحقق فعليًا هو إعادة رسم “توازن رعب”، وإبراز خطورة انزلاق أي تصعيد إلى مواجهة شاملة.
التدخل الأميركي: ضبط الإيقاع لا إيقاف المعركة
منذ اليوم الأول، لعبت الولايات المتحدة دور “الحارس المتوتر”. الإدارة الأميركية دعمت حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، لكنها عملت دبلوماسيًا وعسكريًا على منع الحرب من التوسع. أرسلت حاملات طائرات إلى شرق المتوسط والخليج، وأجرت اتصالات مكثفة بطهران وتل أبيب، إضافة إلى التنسيق مع العواصم العربية الكبرى.
واشنطن لم تكن مستعدة لحرب شاملة تطيح بالاستقرار الهش في المنطقة، وتضر بمصالحها في الخليج. لذلك، مارست ضغوطًا شديدة خلف الكواليس للتهدئة.
المواقف الدولية: الحذر سيد الموقف
على الصعيد الدولي، دعت أوروبا وروسيا والصين إلى وقف فوري لإطلاق النار، والعودة إلى الاتفاق النووي. الموقف الأوروبي بدا أكثر تأزمًا، خشية انهيار الاتفاق النووي بشكل نهائي، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي.
ما بعد الحرب: طاولة المفاوضات أم هدنة هشة؟
رغم توقف القتال بعد 12 يوماً، فإن وقف النار ما زال هشًا. تعهدت إيران بعدم التصعيد ما لم تُهاجَم مجددًا، فيما احتفظت إسرائيل بحق “الردع المسبق”. لكن وراء الستار، بدأت تحركات دبلوماسية حثيثة.
الولايات المتحدة تسعى لاستئناف مفاوضات نووية بشروط أكثر صرامة، تشمل ملفي الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي. الأوروبيون يدفعون نحو تسوية “واقعية” تحفظ ماء وجه الطرفين. أما إيران، فهي ترفض العودة لأي مفاوضات قبل رفع العقوبات الاقتصادية وضمانات بعدم الانسحاب مجددًا كما حدث مع إدارة ترامب.
الخلاصة: من النار إلى السياسة... هل من فرصة؟
حرب الإثني عشر يوماً أظهرت أن كل طرف يستطيع إيلام الآخر، لكنه لا يستطيع إخضاعه. كما أثبتت أن غياب الحوار قد يدفع الأطراف إلى حافة الكارثة. ومع أن الطريق إلى المفاوضات لا يزال محفوفًا بالألغام، إلا أن الحاجة إليها باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
المنطقة تقف اليوم بين خيارين: التفاهم على قواعد اشتباك دائمة، أو الانزلاق إلى حرب كبرى قد لا تكون محدودة ولا يمكن السيطرة على مآلاتها. بين نضج الواقعية ومخاطر التهور، يبقى السؤال الأهم: هل حان وقت الحل، أم أننا فقط في استراحة بين جولات جديدة من النار؟
@kbatarfi
حرب الاثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل: نار مفتوحة وتوازنات على الحافة
تاريخ النشر: 24 يونيو 2025 15:54 KSA
A A


