عندما كنتُ صغيرًا في العمر في المدينة المنوَّرة، سمعتُ كلمة «السَّبيل» مرَّتين، إحداهما في المسجد النبويِّ، عندما كان شخص يحمل جرَّة الماء على ظهره، ويصب الماء في طاسة من نحاس، ويقدِّمها للنَّاس ويقول: اشرب يا عطشان، سبيل يا عطشان، فكلمة «سبيل» هنا تعني مجانًا، وينادي كذلك «مين يبغى يسبل الجرَّة»؟، وكان البعض يعطيه ريالًا، أو ريالين، أو أكثر؛ ليدور يوزِّع ماء الجرَّة مجانًا.
أمَّا المرَّة الثانية فسمعتُ كلمة «سبيل» فِي نهاية باب الكومة في اتِّجاه السيح، حيث كان هناك سبيل اسمه سبيل محمود، وهو أزيار (جمع زير)، بحيث يمرُّ العطشان ويشرب منه، واليوم سدَّت قوارير الماء الجاهزة، مسدَّ الأزيار، ومسدَّ السبيل، فأصبح توفُّرها -والحمد لله- في كلِّ مكان خاصَّةً في المساجد.
لقد جاء ذكر كلمة السبيل في القرآن الكريم مقرونًا بكلمة ابن (ابن السبيل)، فجاء ذكرها مرَّات عديدة، ودائما يُوصي الله -سبحانه وتعالى- عليه، سواء في الزَّكاة، أو الصدقات؛ لإعطاء ابن السبيل كقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وتعريفًا له، فإنَّ ابن السبيل هو مَن انقطعت به السُّبل، أي الطرق، واحتاج أنْ يعود إلى بلده، ويضيف ابن كثير في التَّعريف ليقول: «وكذلك ابن السبيل، وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيُعطَى من الصَّدقات ما يكفيه إلى بلده، وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيُعطَى من مال الزَّكاة كفايته في ذهابه وإيابه»، فكل طالبِ علمٍ، انقطعت به أسبابُ الحياة والمعيشة، فهو ابنُ سبيلٍ، وهو ممَّا أوصى الله -سبحانه وتعالى- بمساعدته نصًّا في القرآن الكريم، إمَّا زكاة، أو صدقة.
أذكرُ عندما كنتُ أدرسُ في نوتنجهام أيَّام البعثة، كان هناك شخص ممَّن أغدق الله عليه النعم، وزاده بسطةً في المال، كان يمدُّ يدَه لكلِّ ابن سبيلٍ من الطُّلاب المغتربِين بالمساعدة الماليَّة، وعلمتُ من بعضهم أنَّه كان يذهب بنفسه يشتري بعض الهدايا لأسرهم حين عودتهم نهائيًّا إلى بلدهم بعد دراستهم، إضافة للمساعدة الماليَّة دون ضجيج، أو علم من أحد، فتعلَّمتُ منه درسًا في الحياة عنوانه «خبيئة ابن السبيل»، ومبادرات أعمال الخبيئة بين العبد وربِّه كثيرة، لكنَّ قليلًا منها ما يكون في مساعدة ابن السبيل، وإنَّني أدعو إلى تفعيل مبادرة خبيئة ابن السبيل للمحتاجين من المغتربين فلا يعلم حاجتهم إلَّا سبحانه وتعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).


