Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

عام الهجرة السورية.. من الألم إلى البناء

A A
مع حلول العام الهجريِّ الجديد، يجدُ السوريون أنفسهم على مفترقٍ، يَندرُ أنْ يتكرَّر في تاريخ الأُمم. فها هي سوريا تفتحُ صفحةً بيضاءَ، تُكتب من جديد، لا كتحوُّلٍ في التقويم، بل كبدايةٍ فعليَّةٍ لمرحلةٍ تأسيسيَّةٍ بعد أحد أكثر فصول التاريخ السوري إيلامًا وامتدادًا. لم يعد التاريخ الهجري، في هذا السياق، مجرَّد مرجعيَّةٍ زمنيَّةٍ، وإنَّما أضحى رمزًا لمرحلةٍ شبيهةٍ بالهجرة الأولى: انتقالٌ من الظلم إلى العدل، ومن التشتُّت إلى التأسيس، ومن الشعار إلى الدولة. وهجرةٌ جماعيَّة من زمنِ القهر إلى عهدِ الكرامةِ، ومن واقع الفوضى إلى أفق المؤسسيَّة والحُكم الرَّشيد.

وإذا ما تأمَّلنا عمق التجربة التي خاضها السوريون خلال السنوات الماضية، نجد أنَّ ما مرُّوا به لم يكن مجرَّد أزمةٍ عابرةٍ، وإنَّما كان اختبارًا وجوديًّا أسقطَ الكثير من الصور النمطيَّة. فقد انكسرت في وجدانهم صورٌ كانت تبدو غير قابلة للمسِّ: صورة الدولة التي تحتكر العنف عليهم، بلا مساءلةٍ ودون سببٍ، سوى طلب الحرية. وصورة المجتمع المتماسك ظاهريًّا والمتشظِّي واقعيًّا. غير أنَّ انهيار هذه الصور لم يفضِ إلى العدم، بل أفرز حاجةً ملحَّةً إلى بناء سرديَّةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، لا تقوم على شعاراتٍ جوفاءَ، وإنَّما على عقدٍ اجتماعيٍّ يُعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويضع الإنسان -أيًّا كان انتماؤه- في مركز معادلة السيادة.

من هنا، يستقبل السوريون هذا العام وهم يخرجون من نفقٍ طويلٍ أنهكهم، لكنَّه لم يُطفئ عزيمتهم. سنواتٌ من المعاناة لم تكن عبثًا، وإنما شكَّلت الوعي، واختبرت الإرادة، وعرَّت كثيرًا من المفاهيم التي كانت تلبس لبوس الوطنيَّة أو الثورة، فإذا بها تنهار عند أوَّل امتحان للدولة والعدالة.

ولأنَّ تحدِّيًا بهذا الحجم لا يمكن أنْ يُناط بالحكومة وحدها، أو بالمجتمع فقط، فإنَّ المرحلة المقبلة تقتضي تحمُّل الجميع لمسؤوليَّاتهم. كلُّ سوريٍّ مدعوٌ للمساهمة.. بالمعرفة، أو بالاستثمار، أو بنقل سرديَّةٍ عادلةٍ عن وطنه إلى العالم. والنخب الفكريَّة والثقافيَّة، لاسيَّما منها الإعلاميَّة، أمام امتحانٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ كبيرٍ: أنْ توازن بين النقد البنَّاء ومراعاة أولويَّة تثبيت الثقة بالمرحلة الوليدة، دون الوقوع في التهوين أو التهويل.

وعلى خطٍ موازٍ، يدرك السوريون أنَّ رأسمالهم الحقيقي اليوم، هو الإنسان وخبراته، فالملايين الذين عاشوا اللجوء، عادوا محمَّلين بتجارب علميَّة ومهنيَّة، فيما الداخل أظهر صلابةً استثنائيَّةً في التكيُّف مع أقسى الظروف. وإذا التقت هذه الطاقات بإرادةٍ سياسيَّةٍ رشيدةٍ، يمكن تحويل الألم إلى فرصة، والخسارة إلى معرفة، والدمار إلى مختبرٍ للإبداع المؤسسيِّ والاجتماعيِّ.

وهنا تبرز رمزيَّة العلاقة مع الأرض التي احتضنت الهجرة الأولى: الجزيرة العربيَّة. فكما كانت المدينة المنوَّرة فضاءً لتأسيس أوَّل عقد اجتماعيٍّ عادل، تحمل العلاقة اليوم مع المملكة العربيَّة السعوديَّة إمكاناتٍ تاريخيَّةً؛ لإسنادِ مشروع الدولة السوريَّة الحديثة. فالتكاملُ السياسيُّ والاقتصاديُّ معها، ومع دول الخليج العربيِّ، يهيّئ رافعةً ماليَّةً وخِبراتيَّةً لإعادة الإعمار، ويُعمِّق تحالفاتٍ عربيَّةً قادرةً على صياغة توازنٍ إقليميٍّ جديدٍ، يقوم على التنمية لا الصراع، ويجعل من خطوط الطاقة والمشروعات المشتركة شبكة مصالح تحمي الاستقرار وتدعم السيادة.

لم تكن الهجرة النبويَّة، أبدًا، مجرَّد انتقالٍ جغرافيٍّ، وإنَّما كانت تأسيسًا سياسيًّا ودستوريًّا لدولة المدينة. هذه الدولة التي بُنيت على العدل، والتكافل، والتعدُّد، واحترام العقود والعهود، هي النموذج الذي يُلهم اللحظة السوريَّة اليوم، في سياق البحث عن دولة لا تُقصي أحدًا، ولا يُهيمن فيها طرفٌ على مقدَّراتِ الجميع باسم الدِّين، أو الثورة، أو الطائفة، أو القوميَّة. وبهذا المعنى، فإنَّ حلول العام الهجريِّ الجديد ليس فقط مناسبة دينيَّة، أو وجدانيَّة، وإنَّما هو فرصةٌ رمزيَّةٌ للتأمُّل والمراجعة. فإنْ كانت الهجرة النبويَّة قد دشَّنت تأسيس حضارةٍ كُبْرى على قواعد الرَّحمة والعدالة، فإنَّ الهجرة السوريَّة الحديثة تضع السوريين أمام استحقاقٍ مماثلٍ: تحويل وَجَعِهم إلى مشروعٍ جامعٍ، وتاريخهم المُثقَل بالمعاناةِ إلى مصدرٍ للإلهام.

ولعلَّ أجمل ما في تقاطع التقويم الهجريِّ مع لحظة التحوُّل السوريَّة، أنَّه يُذكِّرنا بأنَّ التاريخ لا يُكتب بالتقويمات، وإنَّما بالأفعال التي تملأ فراغ الأرقام بالمعنى. فليكتب السوريون، إذن، في هذه السنة، أوَّل سطرٍ من دستور سوريا الجديدة:

دستور يؤمن بأنَّ العدالة شرط العمران، وبأنَّ الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وبأنَّ الحياة الكريمة حقٌّ لكل مواطن. عندها فقط، يصير العامُ الهجريُّ الجديدُ موعدًا لا مع الماضي والذكرى فحسب، بل مع المستقبل، ومع ميلاد وطنٍ يليق بتضحيات أبنائه.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store