بنهاية القرن العشرين، تم تعريف أحد المصطلحات العلمية الرائعة كالتالي: (الهندرة= الهندسة + الإدارة).. ولو أضفنا لهذا التعريف الجميل عامل الخداع، فسيتضح مقترح معنى عنوان المقال: (همبكة = هندسة +إدارة + خدعة).. وقد قدم المصطلح الفنان المصري الراحل «توفيق الدقن» قبل حوالى ستين سنة.. ولا نستغرب التعرض لأطياف الهمبكة من الأفراد.. بل وحتى من المؤسسات.. ولكن عندما تصدر من سلاح الجو الأقوى في العالم، فالموضوع يحتاج إلى وقفة تأمل.
في 21 يونيو تم الإعلان عن مغادرة أربع قاذفات قنابل إستراتيجية عملاقة من طراز «بي 2» من قاعدة «ويتمان» في ولاية «ميزوري» باتجاه الغرب؛ إلى قاعدة «جوام» الأمريكية في المحيط الهادئ في عملية «مطرقة منتصف الليل».. وانتشر الخبر عالمياً.. الولايات المتحدة بكبرها لن تُحرِّك هذه القطع المهمة بدون خطة محكمة لضرب مكان ما.. طائرة «البي 2» هي أغلى طائرة في العالم وأكثرها خطورة.. كل منها تكلَّف ما يُعادل حوالى سبعة آلاف وخمسمائة مليون ريال.. كاش.. وبالرغم أنها تحمل طيارين اثنين فقط، إلا أنها قادرة على حمل مجموعة مميتة من القنابل يصل وزنها إلى ثمانية عشر ألف كيلوجراماً.. ما يعادل وزن حوالى ثماني سيارات «لاند كروزر».. وبالرغم أن عمر القاذفة قد تعدَّى الثلاثين سنة، وهي أكبر عمرا من العديد من طياريها، إلا أنها تحتوي على أحدث آليات الدمار من حيث دقة التصويب، والحجم، والتوصيل.. وللعلم فهي لا تحتوي على أي مدافع أو صواريخ دفاعية، وسلاحها الدفاعي الأساس هو قدرتها على التخفي.. بصمتها على أجهزة الرادار تعادل تقريباً مجموعة من فراريج «الطازج».. الحية طبعاً.. وهي الطائرة العسكرية الأمريكية الوحيدة المصممة لاستيعاب سرير صغير، ومطيبخ، ودورة مياه بدائية، وذلك لأن رحلاتها طويلة وقد تفوق الأربعين ساعة طيران.. ومعظم بدن الطائرة مكون من مواد كربونية، ومحركاتها الأربعة مدفونة بداخل بدنها، والأهم من كل هذا أنها عبارة عن هيكل جناح عملاق.. لن تجد ما يشبهها في عالم الطيران المدني أو العسكري.. طيب وأين «الهمبكة» من كل هذا.. نعود لتفاصيل «المطرقة».. إرسال الأربع طائرات غرباً كانت عبارة عن خدعة مدروسة.. فبعدها غادرت سبع طائرات من نفس الطراز نفس القاعدة باتجاه الشرق لضرب الأهداف الإيرانية.. كل طائرة كانت مزودة بقنبلتين عملاقتين من طراز «وحدة قنبلة موجهة 57» Guided Bomb Unit GBU 57 ، وهي من الأكبر في ترسانة الأسلحة التقليدية الأمريكية.. وطائرة «البي 2» هي الوحيدة القادرة على حمل هذه الذخيرة الفتاكة.. وكل من تلك القنابل يعادل طولها تقريباً طول السيارة «الجيمس» ذات الشاص الطويل، ووزن كل منها يعادل وزن حوالي ست سيارات «كامري». وتحتوى على أجهزة تصويب دقيقة مصممة لدك المنشآت المحصنة تحت طبقات أرضية مسلحة تصل إلى ما يُعادل عمق عشرين طابق تحت الأرض.
* أمنيــــة:
عملية «مطرقة منتصف الليل» تعتبر من أكثر الغارات الجوية تعقيداً في مكوناتها، فقد اشتركت فيها أكثر من مائة وعشرين طائرة من قواعد مختلفة لضرب الأهداف الإيرانية، ومن أهم ما يُميّزها هو عملية التمويه المذهلة التي بدأت بتوجُّه الأربع طائرات العملاقة غرباً، والتي تبعتها السبع طائرات شرقا.. وللعلم فقد استغرق التخطيط والاستعداد لهذه العملية سنوات.. أتمنى أن يقينا الله شرور «الهمبكة»، سواء كانت العسكرية أو المدنية، وهو من وراء القصد.


