Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد عجب

الرجـل الصالـح

A A
من أخطر الصدمات المؤلمة في حياتي، حين كنتُ أتابعُ مع أولادي -عبر الواتس- تحديث مواقع خط سفرهم حتَّى وصولهم للحيِّ الذي أسكنه بجدَّة؛ لتقع عيني فجأةً على رسالة صادمة بإحدى قروبات الأحبة، جاء فيها: (انتقل إلى رحمة الله صالح أحمد عجب..) لأردَّ مستنكرًا ومتعجِّبًا من هول الفاجعة (كيف يعني؟)، قبل أنْ تخور قواي، وأدخل في نوبة هلع وخفقان وإغماءة، حتى وصلت زوجتي وبناتي وأبنائي، وهالتهم حالتي البائسة، ليصرخوا بصوت واحد: (وش فيك، وش فيك؟!!)، فيما كان ابني الكبير ماجد يرد بقلق على سيل اتِّصالات جوالي، مستفهمًا ومستجديًا: وش فيه؟!

لقد رحل ابن عمي صالح عجب، إلى الدار الآخرة، بطريقة مفاجأة وصادمة، إثر جلطة قلبيَّة، وعزاؤنا أنَّه أدَّى رسالته في هذه الحياة على أكمل وجه، رحل بعد أنْ أمَّن لعائلته منزل العمر -الذي انتقلوا إليه قبيل وفاته- رحل بعد أنْ هيَّأ لهم معاشًا تقاعديًّا، وحياةً كريمةً، رحل بعد أن ترك لهم سيرةً عطرةً وملهمةً لمعنى الأبوَّة والتضحية، عنوانها (الرجل الصالح)، سترويها الأجيال القادمة من الأقارب والمعارف سنين وسنين طويلة.

لم يكن أبو أحمد، ساعيًا لعمودية العزيزة، أو مباهيًا بسيطرته على العائلة، بل كانت اللُّحمة والأُخوَّة تفوح من شخصيَّته، يصل القرابة، ويعود الأحبَّة، ودائمًا ما يتحامل على نفسه متى تقاطعت المصلحة، دائمًا ما يستخدم ذكاءه وسرعة بديهته -لا للمضرَّة- وإنَّما ليحافظ على حبال الوصل والمودَّة، ومع أنَّه الأخ الأكبر سنًّا، لكنَّه دائمًا ما يسبقني -ويسبق الجميع- للمعايدة والمباركة بأيِّ مناسبة دينيَّة، ودائمًا ما يجعلنا عاجزين عن رد جميله.

لم يكن صالح عجب، مرائيًا بتدينه، أو متصنِّعًا لطيبته وسمحاته، بل كان الوقار والسكينة تتجلَّى من هيئته بكل عفويَّة، يتقِّي الله في كل أقواله وأفعاله، يخشى الله في سرِّه وعلانيته، ويسعى جاهدًا لمرضاته، وقد شهد له في العزاء جماعة المسجد بالحي الجديد: أنَّه محافظ على فروضه الخمسة، كما شهد له أمام مسجد الحي السَّابق أنَّه أتم حفظ نصف القرآن على يده، فيما أكَّد حارس المسجد أنَّه أوَّل مَن يحضر للمسجد، وآخر من يغادره.

لم يكن صالح أحمد عجب، محبًّا للمشيخة، ولا متصدِّرًا للمجالس والجاهة، بل كانت الرجولة والشهامة منقوشةً بملامحه، يُسلِّف كلَّ مَن قصده -رغم التزاماته الماليَّة- حتى عُرف عنه (اللي في جيبه ما هو له)، يعامل الضعفاء والمحتاجين بكل رحمة وشفقة، يسافر من مدينة لمدينة؛ ليؤدِّي واجب العزاء أو التهنئة الحضوريَّة، وقد بلغني أنَّه كان ناويًا أن يطلع الديرة؛ ليزور أحد أعيان القرية، بعد أنْ كُسرت رجله، لكنَّ القدر لم يمهله.

ما ذكرته من إطراء هنا، يُعدُّ غيضًا من فيضٍ، ممَّا يتحلَّى به صالح -الله يرحمه-، فلدى زوجته التي انهارت مع نبأ رحيله، وشقيقته التي تبكيه صبحة وعشية، وسعيد ابن عمه وتوأم عمره، قصص عديدة ستلقي الضوء أكثر على خصاله الحميدة، لذا سأكتفي بهذه القفلة، تعريف (الرجل الصالح) لغةً: صالح عجب. واصطلاحًا: كل رجل يتَّسم بصفاته، ويتحلَّى بأخلاقه، ويجاريه في تقواه وإيمانه، ومدى حب الناس لرقيه، كرمه، صلاحه.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store