Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

المشروعات السياحية.. تحتاج إلى إعادة تسعير

A A
الانتماء للأوطان عقيدة لأبناء الوطن، مهما سافروا وهاجروا لأيِّ سبب من الأسباب العديدة، إلَّا أنَّ حب الوطن وترابه يظلُّ في قلوبهم، يموتون وفي قلوبهم حب الوطن، وهي حقيقة للمسافرين في إجازة صيفيَّة قصيرة أو طويلة؛ يظل الشوق للعودة لوطنهم في الأيام الأخيرة من الإجازة، سواء الكبار أو الصغار، ومهما كانت مغريات وجمال الطبيعة والأجواء في بلد الإجازة، فالوطن هو الهواء الذي نتنفس به أينما كنا، ومع التطوُّر الكبير الذي تشهده بلادنا في المجالات الترفيهيَّة في كل منطقة من مناطق المملكة ومدنها، أصبح خيار قضاء الإجازة، أو جزء من الإجازة داخل الوطن منافسًا لقضاء الإجازة خارج الوطن، وعلى وجه الخصوص اقتصاديًّا.

وبحسب الهيئة السعوديَّة للسياحة، تجاوز عدد السيَّاح المحليِّين والدوليِّين في المملكة 100 مليون سائح عام 2024، وهو ما يضع المملكة من أهم الوجهات السياحيَّة في العالم، وبعد اكتمال المشروعات الكُبْرى مثل القدية، والبحر الأحمر، وأمالا، من المتوقَّع أنْ تسهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطيِّ بنسبة تصل إلى 10% بحلول عام 2030.

إنَّ المشروعات الترفيهيَّة والسياحيَّة التي يتم تطويرها داخل المملكة تضاهي، بل وتتجاوز، العديد من المشروعات العالميَّة، من حيث الفخامة، والجودة، والبيئة الطبيعيَّة المذهلة، فمشروع البحر الأحمر مثلًا، يتميَّز بأنَّه أوَّل مشروع سياحي مستدام بالكامل، يعتمد على الطاقة المتجدِّدة، ويضم أكثر من 90 جزيرة بكر، وغابات مانجروف وشعاب مرجانيَّة نادرة.

لكن تبقى تكلفة الإقامة لقضاء الإجازة في هذه المشروعات مرتفعةً، وهو ما يدفع شريحة كبيرة من السعوديِّين من متوسطي الدخل للتوجُّه إلى وجهات خارجيَّة، مثل المالديف، أو شرم الشيخ، أو بعض مدن أوروبا.

وأجزم أنَّه بعد اكتمال المشروعات الترفيهيَّة الكُبْرى، مثل القدية في الرياض وجدة الجاذبة لشريحة كبيرة من العوائل السعوديَّة والمقيمين فيها، وفي دول الخليج الذين يسافرون خصيصًا لفرنسا لزيارة (يورو ديزني)، ولألمانيا يوروبا بارك، أو أورلاندو أمريكا ديزني لاند، والتي وصلت تكلفة تذكرة الدخول إلى 600 ريال للفرد الواحد، ويُضاف عليها تكلفة السفر والإقامة، وعندما يُعاد النظر في تكلفة الإقامة في مشروعات البحر الأحمر السياحيَّة، سوف تستقبل شريحة كبيرة من عشَّاق الجزر والبحر الذين يسافرون لشواطئ ماربيا الإسبانيَّة، وشواطئ كان ونيس الفرنسيَّة، وللريفيرا الإيطاليَّة، أو إلى جزر المالديف، وموريشيوس، أو إلى مراسي العلمَين بمصر، والجونا في الغردقة، أو شواطئ شرم الشيخ، وبدون مبالغة إن مشروعات البحر الأحمر في المملكة أرقى كثيرًا من أيِّ مشروع سياحي على البحر، لكنَّه -وبدون شكٍّ- الأعلى تكلفةً في الإقامة، وهذا ما يجعل المشروعات السياحيَّة البحريَّة الأُخْرى هدفًا للسيَّاح السعوديِّين ذوي الدخل المتوسط.

وإذا جاز لي الاقتراح، فإنَّني أقترحُ أنْ يُعاد النَّظر في تكلفة تشغيل مشروعات البحر الأحمر، ولا مانع من تمديد فترة سداد تكلفة الإنشاء لسنوات أطول، في مقابل تخفيض التكلفة على السيَّاح، لتكون منافسةً لبعض المشروعات المماثلة في الخارج.

وأقترحُ تأسيس شركة وطنيَّة كُبْرى لتنظيم الرحلات السياحيَّة على غرار شركات السياحة العالميَّة، خلال المواسم والعطل الرسميَّة، وعلى مدار العام، تشمل حجوزات الطيران المخفَّض، والتنقل الداخلي، وإقامة فندقيَّة بأسعار تنافسيَّة، وتذاكر مخفَّضة لدخول المواقع السياحيَّة، وأنشطة ترفيهيَّة مخصَّصة للعائلات؛ ممَّا تتيح تجربة سياحيَّة منظَّمة ومتكاملة بأقل تكلفة، وتستهدف فئات متعدِّدة من المجتمع.

وأقترحُ العمل على تحفيز السياحة التعليميَّة والثقافيَّة عبر تقديم برامج سياحيَّة موجهة للطلاب والباحثين، للتعرُّف على آثار العُلا، مدائن صالح، أو المتاحف الحديثة في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، والرِّياض، وجدَّة.. وتفعيل التسويق الرقمي الموجَّه من خلال حملات تسويقيَّة ذكيَّة عبر وسائل التواصل الاجتماعيِّ، تستهدف ليس فقط السعوديِّين، بل أيضًا السيَّاح من الخليج خاصَّةً، والمعتمرين من الدول الإسلاميَّة الأُخْرى، لا سيَّما أنَّ المملكة تمنح تأشيرة إلكترونيَّة لـ 63 دولةً.

إنَّ السياحة الداخلية في المملكة اليوم، لم تعد خيارًا بديلًا، بل أصبحت تجربة تستحق أن تكون الأولى، ومع قليل من إعادة النَّظر في الأسعار، وابتكار حلول جماعيَّة للسفر، يمكننا أنْ نرى العائلات السعوديَّة، والمقيمين وهم يختارون الوطن وجهتهم المفضَّلة، ليس فقط بدافع الانتماء، بل أيضًا لما يجدونه من جودة، وتنوُّع، وتكلفة عادلة.

[email protected]

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store