Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مرمشـــــــــــة (2)

A A
عنوان المقال معناه الالتهام التام، وتنطبق الكلمة على بعض السلوكيَّات في الأكل، ولكن من النادر أنْ نرى تطبيقاتها في السياسة، وقد كتبتُ عنها مسبقًا، وأودُّ أنْ أطرح المزيد من أفكار المرمشة السياسيَّة في بعض المواقع غير المتوقَّعة في إحدى أقوى دول أوروبا.. وسأبدأ بطرفة جغرافيَّة سياسيَّة..

لو نظرتُ إلى جيران دولة بولندا عام 1989، فستجد أنَّهم انقرضوا بالكامل..

كان يحدها الاتحاد السوفيتي من الشرق واختفى، وتحدها الآن أوكرانيا، وروسيا البيضاء، وليتوانيا.. وكانت جارتها الجنوبيَّة هي تشيكوسلوفاكيا وقد اختفت، واليوم تحدها التشيك، وسلوفاكيا.. وكانت تحدُّها غربًا ألمانيا الشرقيَّة، واليوم أصبحت ألمانيا.. ولكن هناك ما هو أغرب من ذلك، فلو عدت للقرن التاسع عشر لن تجد بولندا نفسها كدولة.. اختفت لمدة حوالى 124 سنة، علمًا أنَّ هويتها كانت موجودة في أغرب الأماكن.. ففي تاريخ العلوم ستجد اسم «ماري كيوري» في قمة أسماء العلماء، وهي من أهم المواطنات في تاريخ بولندا.. كانت أوَّل سيدة تفوز بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1903؛ بسبب عطائها في مجال علوم الإشعاعات.. ثمَّ فازت بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1911، تكريمًا لاكتشافها لمادتي «الراديوم»، و«البولونيوم» المشعَّتين.. وللعلم فاسم «بولونيوم» جاء للتذكير بدولة بولندا التي اختفت في تلك الفترة.. وإليكم المزيد من التفاصيل:

كانت بولندا تحتل مركزًا مرموقًا في أوروبا؛ بسبب رقي حضارتها، وخيرات أراضيها.. وجيرانها كانوا «قبضايات» سياسيَّة بمعنى الكلمة.. من ذوي الشوارب الكبيرة، والجيوش الضخمة المتحمسة.. السويد من الشمال، والإمبراطوريَّة العثمانيَّة من الجنوب، روسيا من الشرق، والنمسا، وبروسيا من الغرب.. وللعلم فاسم «بروسيا» كان يطلق على أجزاء من الإمبراطوريَّة الألمانيَّة الشرقيَّة التاريخيَّة. وفي تلك المناطق، وبالذات في شرق البلاد، لم تتوفر أيِّ موانع جغرافية لردع محاولات الاستيلاء على أجزاء من دول الجوار.. لم توجد جبال، أو بحار، أو بحيرات لتعريف الحدود بوضوح، ولذا كانت حركات «نصف الكم» للاستيلاء على أراضي الغير؛ منتشرة في أوروبا، وقد نجحت مجموعة دول نجاحًا تامًّا في الاستيلاء على كافَّة أراضي بولندا من الشرق والغرب، والشمال والجنوب.. استمر تاريخ ومواطنو وهوية البلد بدون أرضها خلال القرن التاسع عشر بأكمله.. تخيَّل أنَّ كل هذا تحقق في قلب أوروبا في دولة عريقة لها هويتها التاريخيَّة، دستورها، ونظامها القضائي، والسياسي، والاقتصادي.

جدير بالذكر أنَّ في الجغرافيا السياسيَّة الحديثة رأينا تقلُّصات لظاهرة المرمشة السياسيَّة الاستعماريَّة، ففي عام 1945، عندما تأسَّست الأمم المتحدة، كان إجمالي عدد الدول هو 51، واليوم أصبح العدد 193.. يعني خلال ثمانين سنة زاد بحوالى أربعة أمثال.. تخيل عدد الرؤساء، والوزراء، والجيوش الجديدة، والأهم من ذلك التواريخ والهويات التي تم إحيائها أو فبركتها.

* أمنيــــــــــة:

بعض الدول غير قابلة للمرمشة مهما كانت القوى التي تحاول الاستيلاء على أراضيها وهويتها، وفلسطين هي المثال العالمي الأوَّل الذي يُعتبر قدوة تاريخيَّة.. قاومت الاحتلال بجدارة وإصرار عبر العصور من مختلف القوى، منها قوات بابل، وفارس، والإغريق، والرومان، والصليبيين، والبريطانيين والصهاينة.. أتمنى أنْ يدرك العالم أنَّ عصر المرمشة ومحاولات الاستيلاء على الهويات، والأرض، والخيرات، والحقوق، قد انتهى، وأنَّه لا يصح إلَّا الصحيح -بإذن الله- وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store