Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية: إعادة تشكيل موازين القوى

A A
شهدت منطقة الشرق الأوسط، واحدةً من أخطر المواجهات المباشرة في تاريخها الحديث، تمثَّلت في الحرب القصيرة والمكثَّفة بين إيران وإسرائيل، والتي استمرَّت اثني عشر يومًا، لكنَّها حملت من التداعيات ما يفوق مدتها بأضعاف. هذه الحرب، التي حبس العالم أنفاسه خلالها، لم تكن مجرَّد جولة من الاشتباكات، بل نقطة مفصليَّة في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليميَّة، ومستقبل الصراعات والتحالفات في المنطقة.

نتائج الحرب: لا غالب ولا مغلوب

أثبتت المواجهة هشاشة الوضع الإقليمي، رغم ما يبدو من توازن رعب. إسرائيل وجَّهت ضربات دقيقة لمواقع إيرانيَّة حيويَّة، منها منشآت في أصفهان وطهران ومراكز أبحاث، ومقار حرس ثوري. إيران، بدورها، ردَّت بصواريخ باليستيَّة، ومسيَّرات ضربت أهدافًا إسرائيليَّة في تل أبيب، والنقب، ومحيط مفاعل ديمونا، رغم فعاليَّة منظومة القبَّة الحديديَّة الإسرائيليَّة.

لكن ما لفت الانتباه، هو التدخل السريع من الولايات المتحدة، ودول أوروبيَّة كُبْرى، التي مارست ضغوطًا مكثَّفة على الجانبين للتهدئة. بالنسبة لها، الحرب تعني كارثةً اقتصاديَّةً عالميَّةً محتملةً، وتهديدًا لتدفُّق النفط والتجارة عبر الخليج والبحر الأحمر، وسط تصاعد التوتر في أوكرانيا، والشرق الأقصى.

النووي الإيراني: العودة إلى المواجهة

بعد نهاية الحرب، أعلنت إيران تعليق تعاونها مع الوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة، ومنع دخول المفتشين إلى مواقع نوويَّة حسَّاسة، في تصعيد أثار موجة انتقادات دوليَّة. بريطانيا وألمانيا وفرنسا أعربت عن "قلق بالغ"، ووصفت الخطوة بأنَّها "تقوِّض كل فرص العودة للاتفاق النوويِّ". أمَّا واشنطن فدعت إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن، وبدأت مشاورات حول تفعيل آلية "SnapBack" لإعادة العقوبات تلقائيًّا على إيران.

التقارير الاستخباراتيَّة الغربيَّة أكَّدت أنَّ القصف الإسرائيلي - الأمريكي المشترك، أصاب مفاعل نطنز، وأوقف تخصيب اليورانيوم في عدَّة مواقع، ما قد يؤخِّر البرنامج النووي الإيراني من 6 أشهر إلى عام كامل. رغم إنكار طهران، فإنَّ التصريحات الناريَّة من قيادات الحرس الثوري، ترافقت مع تحرُّكات دبلوماسيَّة مرتبكة، تُوحي بأنَّ الضَّرر كان كبيرًا.

محور الممانعة في مأزق

الحرب كشفت عن فجوة بين إيران وحلفائها الإقليميِّين.

في سوريا، حرصت الحكومة الجديدة على النَّأي بنفسها. وفي لبنان، بدا "حزب الله" أكثرَ تحفظًا من المعتاد.

أمَّا في العراق، فقد التزمت الميليشيات الموالية لإيران الصَّمت، أو الاكتفاء بإطلاق تصريحات تضامن رمزيَّة.

ولم يشارك فعليَّا إلَّا الحوثي، الذي واصل استهداف الملاحة البحريَّة في البحر الأحمر، وإطلاق صواريخ باليستيَّة، ومسيَّرات انتحاريَّة باتجاه إسرائيل؛ تضامنًا مع غزَّة. وهو ما يشي بتراجع قدرة طهران على ضبط مكوِّنات محور "الممانعة"، وإعادة التفكير في إستراتيجيَّة الانتشار الإقليمي تحت ضغط العجز الاقتصاديِّ والتكلفة العسكريَّة.

السعودية وإيران: فرصة التقارب..

وسط هذا التوتر، تبرز السعوديَّة كلاعبٍ إقليميٍّ حكيمٍ، يسعى إلى التهدئة، وتثبيت الاستقرار. الحرب الأخيرة قد تدفع الطَّرفين إلى مراجعة مواقفهما. الرِّياض، في إطار رُؤيتها 2030، ترى في التنمية والتعاون بديلًا واقعيًّا عن الصِّراع، بينما تدرك طهران، أنَّ فتح قنوات مع السعوديَّة قد يكون مخرجًا دبلوماسيًّا يقلِّل من عزلتها، ويكسر طوق العقوبات.

وهو ما يفسِّر تواصل الطَّرفين، وعودة الحديث عن تنشيط الاتفاقات الاقتصاديَّة والأمنيَّة التي وُقِّعت العام الماضي بوساطة صينيَّة. لكن هذا الانفتاح مرهون بسلوك إيران المستقبليِّ، خصوصًا في الملف النوويِّ، ومواقفها من قضايا الخليج.

استشراف المرحلة المقبلة

الحرب لم تحسم شيئًا، لكنَّها أطلقت ديناميكيَّات جديدة:

- الوجود الأمريكي يتعزَّز، لا بالجنود فقط، بل بإعادة بناء التحالفات، وضبط الفوضى في مناطق النفوذ.

- السعودية تتصدَّر مشهد التوازن، كمركز ثقل في الجغرافيا السياسيَّة، وصاحبة مشروع تنمويٍّ جادٍّ.

(*) باحث إستراتيجي

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store