الكتابة سلوك إنسانيٌّ راقٍ منذ خلق الله الأرض ومَن عليها، حيث قال تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، فالإنسان بفكره وعقله وإحساسه ومشاعره، لا بُدَّ له من انطلاقة تُحرِّره من سجنه؛ لتنطلق أفكاره المحبوسة إلى عالم الحريَّة في الكتابة، وهي وإنْ كانت حريَّة مسؤولة، لكنَّها تظل تنطلق به للتعبير عمَّا في نفسه، وما يجيش في وجدانه، فيبوح به ويُوصله للآخرين من خلال وسائل متنوِّعة، بدأت بالنقوش الصخريَّة، لتصل إلى كتابات بالشبكة العنكبوتيَّة.
والكاتب -في الغالب- يمتلك مقومات وخصائص نفسيَّة، منها الجرأة في الطرح، والشغف الكبير نحو الكتابة لموضوعاتٍ نفسيَّة، أو حل لمشكلاتٍ اجتماعيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة، أو حتى سياسيَّة.. وفي قوالب متنوِّعة، كالمقال أو القصة، أو الرواية أو الشعر، وتسليط الضوء على المعاناة الإنسانيَّة، لتتلقَّفها العقول الواعية لكل فكرٍ نقيٍّ وسويٍّ؛ فالكتابة كقيمةٍ أخلاقيَّة هي جمال الروح التي تريد الإصلاح، ولا تتنازعها مصادر الضغينة، بل العكس الرغبة في السلام الداخلي الإنساني، أو السلام العالمي للإنسانية التي أرهقتها الحروب، وأدوات الموت والدمار، وتحوَّل الكوكب إلى غابة يُهيمن عليه الأقوياء لظُلم الضعفاء!!.
بالكتابة نرجو الإصلاح، ونطل على الموضوعات بأرواحنا ومبادئنا وأخلاقنا؛ نكتب للقُبح لنُجمِّله؛ وننثر عليه فوَّاحة عطر من النور والطُّهر والأماني؛ لأنَّه مُدوَّن في صحيفة أعمالنا، فنُغدق عليه أبهى وأجمل المشاعر، ليُؤتي أُكله ولو بعد حين.
كما أنَّ للموهبة والاستعداد للكتابة دورًا مهمًّا في تحقيق الهدف الإنساني، ولكن تظل الثقافة وعمق الاطلاع ومهارات الصياغة الفنيَّة واللغويَّة أساسيَّات في تكوين الإطار الإبداعي. لقد كنتُ أكتبُ منذ الطفولة، وكانت موضوعات التعبير تُذهل معلِّماتي من حيث الطلاقة الفكريَّة، والمرونة في إيصال الرأي، والإبداع في انتقاء المفردات الملائمة وقوتها، وهذه من أهم المعايير؛ ممَّا يجعل الرسالة تصل للمتلقِّي مباشرةً، ناهيك عن فن الإقناع للفكرة وتدعيمها بالأمثلة والبيانات والأرقام؛ ممَّا يجعل الكتابة أسلوبًا لتحقيق أهداف كُبْرى.
بل إنَّ المشاعر الطاغية حول الموضوع؛ هي المِرْجَل الذي ينضج على إثره المقال، أو موضوع الكتابة، أو القالب الأدبي، فهو الذي يُحرِّك الفكر، ويقض مضجع الكاتب؛ ليقوم من سريره، ويكتب فكرةً جامحةً تُداعب خياله، أو رأيًا يسيطر على فكره، حتى لا يتبخَّر في سماء النسيان.
وقد أخذت الكتابة مؤخَّرًا منحنى آخر، حيث يصنفها علماء النفس بأنها أسلوب للتعافي من الأمراض النفسية؛ لأن المكبوتات النفسية والفكرية، وعدم التعبير عنها، يخلق ضغوطًا نفسية كبيرة، قد تُولِّد حالات من الاكتئاب، لذا فإنَّ كل أنواع الكتابة هي أدوات للتعبير عن مكنونات نفسيَّة، تجد متنفسًا لها عن طريق الكتابة.
والكاتب هو المستشعر لجمال الوحدة أثناء الكتابة، ليشارك بها بعد ذلك العقل الجمعي والمشاركة التواصليَّة، ويتلقَّف بسعادة التغذية الراجعة، سواء بالثناء والمدحن أو حتى المعارضة لفكرةٍ ما، وهي كثير ما تتفتَّق عنها آفاق أُخْرى جديدة، نتيجة الملاقحة الفكريَّة والثقافيَّة، ودون التعدِّي على حرية الغير، والمساس بمشاعرهم.
كما أنَّ الانتظار بفارغ الصبر لنزول المقال هو شعور الحب لكل حرف يكتبه الكاتب، والشعور بالسعادة عند رُؤية سطوره تصدح على الصفحة، وهو يتألَّم لحذف جزء أو بتر فقرة، إمَّا للفكرة أو لضيق المساحة. وهناك الكثير لم أقله بعد عن العلاقة بين الكاتب والكتابة، ولكن المساحة المخصصة للمقال انتهت، فمعذرةً قُرَّائي الكرام.


