هذا المقال خاص بالأزواج الذين وهبهم الله زوجاتٍ طيِّبات، خدمن أزواجهنَّ طيلة عمر مديد، وحافظنَ عليهم، وعلى أبنائهم، وكُنَّ نعم العون على إقامة حياة سعيدة، وكان همهنَّ أن يرضين أزواجهنَّ، فالزَّوجة بهذا المعنى هي جزء حقيقي من الزَّوج، ولا يكون ذلك إلَّا بسبب حب بينهما عميق، وعلاقة مودة ورحمة.
إنَّ الشعور بالحب بين الزَّوجين لفترة طويلة، يتطلَّب الوفاء فيما تبقَّى من العمر، ومَن لم يشعر من الأزواج بهذا الشعور القلبيِّ نحو زوجته، بعد هذا العمر كله، فإنَّ هناك خللًا في وفائه، سيكون سببًا في ضياع أسرة، وهدم بناء مشيد من عشرات السنين، من خلال الإقدام على الزَّواج من زوجة جديدة، لذلك فإنَّ وصيَّة رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في المناسبات، وعند الممات -كما جاء في الحديث الصحيح- قوله -عليه الصَّلاةُ والسَّلام-: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ فَإِنَّكُم أَخَذْتمُوهنَّ بِأَمَانةِ اللهِ وَاسْتَحلَلتُم فُرُوجَهنَّ بِكَلمةِ اللهِ»، فالرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- عاشَ مع زوجاتِهِ، وقد منحَ كلَّ واحدة منهنَّ حقَّها من الرِّعاية والعناية والحبِّ والتقدير والاحترام، إلى درجة أنَّه لم يُروَ عنه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّه رفع صوته على أيِّ واحدةٍ منهنَّ، ناهيكَ عن التقصيرِ في حقِّهنَّ وكان -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- نموذجَ الوفاء للسيِّدة خديجة -رَضِيَ اللهُ عنهَا- إلى أْن توفَّاهَا الله، وحتى بعد وفاتها، يذكرها، ويتذكَّر أيامها الحلوة، وكيف أنَّها كانت السند والعون له، ولم يتزوج عليها طيلة ما كانت معه، فالرابط بين الزَّوجين ليس ماديًّا، إنما هو رابط قلبي، ورابط القلب إن قُطع تنتهي العلاقة، فالزَّوجة عندما يصل بها الحال أنْ تكون قلب زوجها، وجزءًا من حياته، فلا يصح بأيِّ حال من الأحوال في نهاية مطاف الحياة، أنْ يؤذيها بتهديدها بالزَّواج عليها، فالتعدُّد يصلح ويُؤتي ثماره إن كان مبكِّرًا في حياة الرَّجل، ويُفضَّل إذا أراد الزَّوج أنْ يُقدم عليه، أن يكون في سنٍّ مبكِّرةٍ؛ لأنَّ التعدُّد في السنِّ المتأخِّرة آثاره الاجتماعيَّة السلبيَّة كبيرة، وقد تكون مدمِّرة، فمن تخطى الستين لا يحسن به الزواج من امرأة صغيرة ترهق جسده، وتعذب روحه، وتفسد عليه شؤون بيته وأسرته، والسعيد مَن اتَّعظ بغيره. فكم من سبعينيٍّ عدَّد فتعدَّدت أوجاعه، فالالتهاء بالجديدة الصغيرة في العمر المتأخِّر على نظام شقردادي إنَّما هو مؤقت، ثم تعصف به دوامة من الندم، خاصةً إذا الجديدة أهملته، ولم تعد تأبه بأوجاعه، وكثرة طلباته، فعندها يتذكَّر ذات الحب العميق، والقلب الرقيق، وشيئًا من كلمات الطرب الأصيل «قديمك نديمك، ولو الجديد أغناك».


