اللافتُ للإنتباه أنَّه بعد انتشار تقنية برامج التواصل الاجتماعيِّ، برزت حالة من الدرعمة غير المحسوبة، وغير المحاسبة في الوقت نفسه، من قِبل الكثير من فئة الشباب، الذين وجدوا فيها بابًا مفتوحًا للفضفضة الفارغة، كالسناب، والتيك توك، والانستجرام، والتيلجرام، وغيرها والتي وضعها مؤسِّسوها؛ بهدف كسب المال، وبما أنَّ (الرِّزق من الهبل يخلِّي الأعمى ساعاتي)، فقد جلبوا من تلك البرامج مليارات الدولارات، وهذا من حقهم بالطبع، فقد استثمروا في الهبل من المجتمعات العربيَّة تحديدًا ذلك المال الوفير. فالمستثمرون في تلك البرامج لم يضربُوا أحدًا على أيديهم، بل تركوها متاحة لمن يُحسن استخدامها، وهم الفئة الأغلب من مجتمعات كُثر، أمَّا المدرعمون فيها بجهل، ودون وعي وإدراك لنواتجها فهم الخاسرون. فما نلمسه في تلك البرامج من شبابنا -وخاصَّةً مَن يتابع مشهدنا الاجتماعيَّ على مختلف المستويات والاتِّجاهات- يجد أنَّه يشكو خللًا واضحًا في أساليب تقويم الأفراد، سواء كان ذلك التقييم من قِبل أفراد المجتمع لبعضهم، أو من قِبل مَن يسمون أنفسهم بالمشاهير، ويسمِّيهم العقلاء بمشاهير الغفلة، فتجد أنَّهم ينثرون كلَّ غثٍّ من ممارساتهم السلوكيَّة، والمؤسف أنَّ ذلك يحدث في ظلِّ وجود أنظمة رادعة تكبح ذلك السلوك المنفلت منهم.
ولعلَّ وجود مثل ذلك الاختلال يوحي لنا بوجود مسبِّبات كُبْرى كان أهمها دورًا في بروز ذلك الخلل وتناميه داخل أروقة مجتمعنا، كما يوحي بحدوث الكثير من النواتج المستقبليَّة التي ستوثِّر حتمًا على القيم والسلوكات المجتمعيَّة، وهذا بالطبع يؤكِّد ما قاله سيغموند فرويد «وجود الرَّأس في الجسد حقيقة ثابتة، لكن وجود عقل داخل الرأس تلك مسألة فيها نقاش»، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما يحدث في برامج التواصل الاجتماعيِّ من بروز غير مبرَّر لمَن يُطلق عليهم مشاهير، والإقبال اللافت للمتابعين لهم، نجد أغلبهم على درجة عالية من الجهل العلميِّ، والتفاهة السلوكيَّة، بينما نجد في الجانب الآخر -وعلى البرامج نفسها- الكثير من العلماء، والمخترعين، والموهوبين، الذين يتجاهلهم المجتمع، فلا تجد للبعض منهم إلَّا العشرات من المتابعين، بينما مشاهير الغفلة متابعوهم بالملايين.
أمَّا الأكثر ألمًا، فهو ما يحدث في مؤسساتنا، عندما نجد الكثير من خرِّيجي الجامعات العالميَّة في تخصُّصات نادرة وهم مَن كلَّف الدولة الملايين من الدولارات، ومَن أفنى جُلَّ عمره في التحصيل، ونَيل المعرفة والمهارة، ثم تجد تلك المؤسَّسات تحجم عن استقطابهم، بل نراها تستقطب مَن هو أدني منهم علمًا ومهارةً، أو مَن هم من جنسيَّات أُخْرى قد تكون شهادات البعض منهم مزوَّرةً، وقد حدث الكثير جدًّا من تلك الممارسات التي كشفت الجهات الرسميَّة بعضها بعد مرور سنوات في مواقعهم، والبعض الآخر أنهى مدَّة عمله وعاد إلى بلده دون أنْ يُكتَشف.
وبما أنَّنا في هذه المرحلة الزَّمنية نعيش حِراك خطَّتنا التنمويَّة الطَّموحة، التي نتأمَّل منها إحداث الكثير من الحلول، وقد حدث فعلًا لكن نحتاج لحل ناجع لمثل تلك المشكلة، التي أصبحت متجذرة، تحجم تلك التشوهات التي تنمو تحت مظلة مشاهير الغفلة، ومن خلال صياغة الأنظمة الفاعلة لاستقطاب كلِّ مبدعٍ ومتفوِّقٍ، ومَن قضى جُلَّ عمره؛ لنَيل المعرفة، وبما أنَّ خطَّتنا التنمويَّة -أيضًا- تُعدُّ حُبلَى بالكثير من المشروعات العملاقة، يتم تنفيذها كما دُوِّنت في الخطَّة، فإنَّ الفرصة ستكون مواتيةً لاستقطاب أبناء الوطن في تلك المشروعات؛ ليكونوا البناء التنمويَّ لوطننا الحبيب، على أكتاف أبنائه وخاصَّةً المبدعين منهم، في المستقبل القريب والبعيد.


