تشهد العلاقات السعوديَّة السوريَّة تحوُّلًا لافتًا، بعد سنوات من الجفاء والقطيعة. الزيارة الأخيرة لوفد سعوديٍّ رفيع إلى دمشق، جاءت في توقيت لافت، عقب زيارة مبعوث أمريكي إلى العاصمة السوريَّة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة التنسيق بين الرياض وواشنطن في الملف السوريِّ، وحدود الانفتاح العربي الجديد، ومآلاته في ظل التدخلات الإقليميَّة والدوليَّة المعقَّدة في سوريا.
تنسيق سعودي - أمريكي وتشاور إقليمي
التحرك السعودي لا يجري في فراغ، بل يأتي ضمن تنسيق متبادل مع شركاء إقليميِّين ودوليِّين، على رأسهم الولايات المتحدة، وتركيا. زيارة الوفد السعودي سبقتها زيارة أمريكيَّة، وترافقت مع مؤشرات على تغيُّر في المزاج الدولي تجاه الملف السوريِّ. وقد أصدرت واشنطن مؤخَّرًا قرارًا برفع العقوبات الاقتصاديَّة عن سوريا، في خطوة تعكس رغبتها في إعادة ضبط مقاربتها، وتفادي ترك الساحة لقوى أخرى.
تركيا من جهتها، ورغم وجودها العسكري في الشمال السوريِّ، تبقى في موقع المتعاون لا المعطِّل، وهناك تنسيق متزايد بينها وبين السعوديَّة والولايات المتحدة، خصوصًا في ما يتعلَّق بالحدود والاستقرار ومكافحة الإرهاب. وهي لا تعارض مسار الحل السياسي، ولا عودة سوريا إلى محيطها العربي، وإنْ كانت حريصةً على مصالحها الأمنيَّة والاقتصاديَّة في مناطق الشمال.
الدعم السعوديْ.. لإعادة الإعمار وليس المكافأة
المساعدات السعوديَّة المرتقبة لسوريا ليست مشروطة سياسيًّا، بل تنبع من رُؤية شاملة تهدف إلى دعم الاستقرار، وحدة الأراضي السوريَّة، وتحسين الوضع الإنسانيِّ والاقتصاديِّ للسوريِّين داخل البلاد وخارجها. الدعم سيكون عبر مشروعات تنمويَّة مباشرة، في قطاعات البنية التحتيَّة، الطاقة، الصحَّة، والتعليم، ويُتوقَّع أنْ يُنفَّذ بالتعاون مع الحكومة السوريَّة، وشركاء إقليميِّين ودوليِّين.
هذه المقاربة تُعبِّر عن قناعة سعوديَّة بأنَّ عودة سوريا إلى الحياة لا يمكن أنْ تنتظر حلًّا سياسيًّا كاملًا، وأنَّ الاستثمار في التنمية هو الطريق الأقصر نحو المصالحة الوطنيَّة، وبناء الثقة.
مواجهة التفكك.. لا المواجهة
السعوديَّة لا تنخرط في سوريا لصراع مع أطراف إقليميَّة، بل لتقليص احتمالات الانقسام والتفكك. فواقع الحال في سوريا يُظهر تعدُّد سلطات الأمر الواقع، من شمال تديره قوى كرديَّة، إلى جنوب تتنازع فيه فصائل مختلفة، بينما تسعى أطراف خارجيَّة، من بينها إسرائيل، إلى تأجيج الصراعات الطائفيَّة والإثنيَّة؛ بهدف إضعاف الدولة المركزيَّة.
إسرائيل، بخلاف الولايات المتحدة، والمجتمع الدولي، تتبنَّى إستراتيجيَّة تقوم على إضعاف جيرانها، وإبقائهم في حالة اضطراب مزمن؛ لتضمن تفوُّقها المطلق في الإقليم. هذا ما يجعل عودة الدولة السوريَّة الموحَّدة والفاعلة أمرًا مقلقًا لتل أبيب، بينما يُنظر إليه في العواصم العربيَّة والدوليَّة كمدخل ضروريٍّ للاستقرار الإقليمي.
عودة إلى الحضن العربي
الهدف السعودي ليس فرض الوصاية على دمشق، بل دعمها في العودة إلى عمقها العربي، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا. الرياض، كما عواصم عربيَّة أخرى، تؤمن بأنَّ استقرار سوريا هو جزء من استقرار الإقليم، وأنَّ الحل لا يكون بالمقاطعة والعزل، بل بالانخراط والتعاون.
عودة سوريا إلى جامعة الدول العربيَّة لم تكن نهاية المطاف، بل بداية لمسار جديد من الشراكة، هدفه مساعدة السوريِّين على تجاوز محنتهم، واستعادة دولتهم، وتعزيز أمنهم، وبناء مستقبل مشترك بعيدًا عن التدخلات والصراعات.
مقاربة ناعمة بقوة التأثير
ما تقوم به السعوديَّة اليوم في سوريا، هو نموذج جديد من الدبلوماسيَّة النشطة: لا تسوية فوقيَّة، ولا دعم مشروط، ولا صراع على النفوذ. بل مقاربة ناعمة تُعيد تشكيل البيئة من الداخل، عبر التنمية والتعاون والانفتاح، وتحظى بقبول دولي واسع.
إنَّها بداية استعادة سوريا من زمن الحرب والفوضى، إلى زمن الدولة والشراكة.
باحث إستراتيجي
@kbatarfi
الانفتاح السعودي على دمشق: مقاربة إستراتيجية لاستعادة سوريا إلى الحضن العربي
تاريخ النشر: 02 أغسطس 2025 11:17 KSA
A A


