عنوان المقال هو كلمة من اللغة اليديشية، وهي خلطة من اللغات العبرية، والألمانية، والبولندية، والآرامية.. ومعناها الجرأة لحد الوقاحة، وقد كتبتُ عنها سابقا، وهي تستحق المزيد في الظروف الكارثية التي نشهدها حالياً في فلسطين.. إحدى الاسباب هي التعليقات الرسمية من ممثلي الكيان الصهيوني على المأساة الإنسانية في غزة.. وتحديداً على التجويع المتعمَّد لملايين المدنيين بفئاتهم المختلفة، وخصوصاً الأطفال، وكبار السن، والمرضى. وقد استخدمت مصطلح التجويع بدلا من «المجاعة» التي تصف الكارثة بدقة.. كلمة مجاعة تصف حالة ناتجة عن أعمال غير إنسانية، ولكنها لا تعكس وجود الفاعل.. أما كلمة «تجويع» فهي الأفضل، لأنها تُذكِّرنا بكونها متعمَّدة، وبفعل فاعل.. تخيلوا أن تخرج تصريحات رسمية من الكيان تدّعي أن توزيعات الغذاء تعادل ثلاثة آلاف سعرة حرارية لكل فرد في غزة، وأن جيش الاحتلال يمارس نشاطه بكل «إنسانية».. وهنا نشهد تطبيق مفردات الخوتزباه.. يعني البكش عيني عينك.. أعداد القتلى ونسب المتضررين من الممارسات اللاإنسانية في غزة وكافة أراضي فلسطين من المصادر الدولية هي المرجع الأساس لقياسات الكارثة.. وقسوة الحرمان لا تقتصر على الغذاء فحسب، فهي تشمل جميع الاحتياجات الأساسية للحياة.. وللعلم، فقد صمدت غزة من ظلم الحصار لعشرات السنين، ثم للدمار الشامل في الآونة الأخيرة.. وفضلاً ملاحظة ظروف المعيشة الصعبة شاملة كثافتها السكانية المذهلة.. أكثر من مليوني إنسان في مساحة تعادل حوالى ثلاثة أمثال مساحة مطار الملك عبدالعزيز الدولي. وللعلم فهذه مساحة كامل قطاع غزة، الذي يشمل خان يونس، ودير البلح، وغزة، وشمال غزة.
ولو نظرنا للأمثلة التاريخية لقسوة التجويع، سنجد أنه كان من أساسيات اقتحام المدن المحصنة، ومن أهمها مدينة القدس المقدسة، التي تعرَّضت للتجويع كإحدى أهم مكونات الحصار عبر التاريخ.. وبالذات خلال فترة الاجتياح الصليبي في عام 1099.. وبالرغم أن الفكرة السائدة هي أن معظم ضحايا هذه الممارسة القاسية تقع في قارة إفريقيا، إلا أن أغلبية الضحايا عبر التاريخ كانوا في آسيا وأوروبا. ومن الأمثلة الأوروبية نجد ما تعرضت له مدينة «ليننجراد» السوفيتية خلال حصار 1943 من القوات النازية.. وكان هدف الحصار هو قتل معظم سكان المدينة ضمن الهدف لإبادة حوالى ثلاثين مليون مدني في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي.. وهناك أمثلة كثيرة تثبت أن التجويع من أساسيات إستراتيجيات القسوة ضد المدنيين، وفي الواقع فهو يمثل إحدى البدائل الفعالة، لأنه لا يتطلب عمليات عسكرية مكلفة بشرياً ومادياً.
* أمنيـــــــــــة:
بالرغم من أوجه التجويع اللاإنسانية المختلفة عبر التاريخ، يشهد العالم حالة غزة الفريدة التي نرى فيها منع المساعدات الإنسانية على بعد أمتار من المدنيين، ونسمع وقاحة الأعذار لتبرير منع الحقوق الإنسانية لمن لا علاقة لهم بالصراعات، وبالذات الأطفال، الذين يشكلون نسبة 40% من السكان.. أتمنى أن تتوقف هذه المهازل الإنسانية، وأن يُدرك مَن خلفها أن قتل كل نفس بريئة يقتل فرص السلام لمستقبل المنطقة، والأهم من ذلك، أنه لا يرضي الله عز وجل، الذي يمهل ولا يهمل، وهو من وراء القصد.


