التعليم يُعدُّ القاعدة التي تنطلق من خلالها كل الكوادر البشريَّة، التي تتولَّى الحِراك التنموي بمختلف صوره وأشكاله؛ لذا نجد النظام التعليمي الناجح يُعِدُّ المنتج الذي يفرز لنا الطبيب الماهر، والمعلِّم الكفء، والمهندس المبدع، وهو مَن يفرز لنا المخترع النابغة، والضابط القوي، والطيَّار الماهر، والمختصر أنَّه يُعدُّ القوَّة الدافعة لكل نجاح بشريِّ ومؤسسيِّ، وهذا فقط عندما يكون تعليمًا بُنيت سياسته وأهدافه ومهاراته على أسس متينة، تقوم على بناء الإنسان فكرًا ومهارةً، أمَّا إذا كان النظام التعليمي قائمًا على الحفظ الخاوي والتلقين المنسوخ، فحتمًا سينتج لنا الكثير من العاهات التي تردِّد ما لا تعلم، وتفسد ما أصلحه الدهر، وتقف عقبة عاصية أمام الحِراك التنمويِّ، وأمام الإبداع والمهارة والفكر الناضج الذي يقوم على استجلاب الماضي، وتجاهل الحاضر والمستقبل.
ومَن يتمعَّن في أنظمتنا التعليميَّة العربيَّة، يجدها تعيش في مسارب تعليم الحفظ والتلقين الجامد، بالرغم من المحاولات التي تبرز بين حين وآخر، لكن ما تلبث أنْ تقمع من أصحاب الفكر الضامر، الذين يرون في كل نهضة علميَّة، وكل تنوير فكريٍّ، وكل بناء مبدعٍ تخلُّفًا وخنوعًا.
فبناء الفكر من خلال أنظمة التعليم يُعدُّ الكنز العظيم الذي وهبه الله تعالى للإنسان، هذا الكنز الذي يتمثَّل في كل العمليَّات الذهنيَّة التي يؤدِّيها المخُّ تجعله من خلالها يعرف ويحلل ويفسِّر كل ما حوله من المتغيِّرات الحياتيَّة، ومن خلالها يحل كل المشكلات التي تعترضه، ومن خلالها يكتشف ويبتكر ويخترع كل ما ييسر أعماله اليوميَّة، وانطلاقًا من تلك العظمة التي يكتنزها هذا العقل البشري، جعلها الله تعالى إحدى أهم الأدوات التي تدعم وحدانيته سبحانه، والتي تدفع الإنسان إلى استنباط النتائج من المقدِّمات، واستقراء المستقبل وأحداثة؛ لذا نجد الإله سبحانه يعاتب عباده على تجاهل ذلك الكنز، ويحثهم على استخدامه كما في بعض العبارات التي تتضمَّنها الكثير من الآيات القرآنيَّة مثل: (أَفَلَا يَعْقِلُونَ)، (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وفي آيات أُخر كقوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ)، وقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)، وقوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)، وآيات أخرى كثر.
فكل الآيات والعبارات السابقة التي تضمَّنها كتاب الله تعالى، تدعو إلى الفكر الخلَّاق، الذي يدعو إلى الاستنباط والاستقراء للكون، وهذا يؤكد أنَّ كل شيء على هذه الأرض ينمو ويتطوَّر عن طريق هذا الفكر الخلَّاق، ولعل هذا ما نشهده من تطوُّر مذهل في مختلف المناحي الحياتيَّة، وهذا المطلب الرباني هو ما قام بتفعيله وتطبيقه الغرب، أو فلنقل الدول المتقدِّمة غربًا وشرقًا، فقدَّموا للبشريَّة تلك المنتجات التقنية البشريَّة، التي يسَّرت لنا كل أمور حياتنا في الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك.
لكن المؤلم والمؤسف والمحزن، أنَّنا نحن أُمَّة القرآن الذي نزل بلغتنا، وخاطبنا الرَّب عن طريق نبيٍّ من أنفسنا لم نلتزم بتلك التعليمات الربانيَّة، وتجاهلنا ذلك الكنز العظيم الذي وهبه الله تعالى لنا؛ لنسبر من خلاله أغوار الحياة كما فعل غيرنا، واكتفينا فقط بذكر وتبجيل وتحفيظ وتلقين ما ذكره الآباء قبل عدَّة قرون، فأهملنا ذلك الكنز الرباني العظيم حتى ضمر دوره، فأصبحنا أُمَّة ضامرة تقوم على استهلاك ما ينتجه الغير، وأصبح الفكر الذي نحمله يسوقنا نحو المجهول كالأنعام، أو أضل سبيلًا، كما في قوله تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، وهجروا وتجاهلوا تعليمات كتاب الله تعالى، فضلُّوا وأضلُّوا كما في قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، واكتفوا بما يقوله الأجداد كما في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، فهل نتجاوز ما قاله الآباء قبل عدَّة قرون، ونتجه للمستقبل لنتفكَّر ونتدبَّر ونعقل، كما أمرنا الله تعالى، ونجعل ذلك منطلقًا لأنظمتنا التعليميَّة؟.


