Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

على ضفة التطوع.. بين لقطة جوال وعطاء صامت!

A A
تتَّسع المفردات في هذا الزَّمن حتى تتورَّم معانيها، وينكمش جوهرها.

خذ على سبيل المثال كلمة "تطوُّع"... أو "شغف".

قديمًا، كان يحمل قِربة ماء، ويجوب الأحياء لا لشيء سوى أنْ يتخفَّف من أجر الآخرة، واليوم قد يحمل قنينة بلاستيكيَّة... ليُضيف سطرًا في سيرته الذاتيَّة!

لا خلاف على أنَّ رُؤية 2030 أعادت الاعتبار لفكرة العمل التطوُّعي، ورفعت سقف التطلُّعات إلى مليون متطوِّع سنويًّا. فكرة عظيمة... ومنجز جدير بأنْ يُفخر به.

لكن كما كل هدف كبير، تسير في ركابه أحيانًا أشكال لا تليق بروحه، وممارسات تُلبس الفعل النبيل ثوبًا من المجاملة، أو تضيفه كـ"ملحق لسيرة ذاتيَّة" في نموذج مؤسسي بارد.

في بعض الأحياء، تكدَّست صناديق المياه عند أبواب المساجد أكثر من تكدُّس القيم خلفها؟! نوايا طيِّبة... لا يُشكَّك فيها، لكنَّها تسير في طابور واحد، بلون واحد، وبفعل واحد.

أين البقيَّة؟

أين التطوُّع في صيانة مدرسة الحي؟ أو تعليم الأبناء مهارات تقنيَّة؟ أو الاعتناء بكبار السِّن؟

أين الاجتهاد الفردي الذي لا يسأل عن جمعيَّة أو جهة؟

أين أولئك الذين لا ينتظرون شهادة شُكر، ولا يعرفون طريقًا لرابط التسجيل؟

كثيرون يعملون في صمت، يدفعون من مالهم ووقتهم وراحتهم لأجل شارعهم، حيِّهم، مجتمعهم الصغير.

لا كاميرات توثِّق، ولا مدير جهة يُصفِّق، ولا مَن يحصيهم ضمن "المليون"...

لكنَّهم هناك، يشبهون التطوُّع أكثر ممَّا يشبهه كثير من المتطوِّعين.

هؤلاء هم ما يمكن أنْ نطلق عليهم "الضفة الأُخرى"..

تذكَّر الصياد الذي رفض عبور النهر، (أي أنَّه رفض تغيير طريقته المعتادة للصيد، رغم وجود مكان أفضل على الضفة الأخرى)؛ لأنَّه لا يريد أنْ يصطاد كما يفعل الآخرون.

الفرق أنَّ هؤلاء عبروا، لكنَّهم لم يرفعوا صيدهم أمام عدسات الجوال، بل تركوه على عتبة المحتاج، وابتسموا، ورحلوا....

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store