تشهد منطقة الخليج العربي، مرحلةً دقيقةً من إعادة تقييم منظومتها الأمنيَّة، في ظل التحدِّيات الإقليميَّة المتصاعدة، والتحوُّلات الدوليَّة المتسارعة. وبعد أكثر من أربعة عقود على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، تباينت فترات التماسك بين دوله، لكنَّ المجلس بقي الإطار المؤسسي الأهم لحماية أمن المنطقة.
ورغم ما شهدته العلاقات الخليجيَّة من تباينات في العقد الماضي، فإنَّ الخبرة التاريخيَّة تؤكِّد أنَّ تلك التغايرات، مهما بلغت درجتها، قابلة للاحتواء عندما تتقدَّم المخاطر الخارجيَّة على التباينات الداخليَّة. ومع تنامي التهديدات المشتركة من الجماعات المسلَّحة العابرة للحدود، أو من التوترات في البحر الأحمر والخليج العربي، تتزايد الحاجة إلى موقف خليجي موحَّد، ورُؤية إستراتيجيَّة مشتركة.
في هذا السياق، برزت في السنوات الأخيرة أنماط جديدة من التعاون الأمني، عبر تحالفات ثنائيَّة أو ثلاثيَّة بين بعض الدول الخليجيَّة، مثل التعاون العسكريِّ بين السعوديَّة والإمارات، أو التفاهمات الأمنيَّة بين قطر وسلطنة عُمان.
هذه الصِّيَغ تُوفِّر مرونةً وسرعةً في اتخاذ القرارات، لكنَّها تبقى محدودةً في شموليتها، ولا تستطيع أنْ تحل محل المظلَّة الجامعة التي يوفرها مجلس التعاون، من شرعيَّةٍ سياسيَّةٍ وقانونيَّةٍ أمام المجتمع الدوليِّ.
المطلوب اليوم تطوير المجلس ليتواكب مع طبيعة التهديدات الحديثة، مع الإبقاء على التحالفات المرنة كأداة مكمِّلة لتعزيز القدرة على التحرُّك السَّريع. فمواجهة التحدِّيات الإقليميَّة تتطلَّب تكاملًا في القدرات الدفاعيَّة والأمنيَّة، وتوحيد الرسائل السياسيَّة، وتبادل المعلومات الاستخباراتيَّة في الوقت المناسب، حتى لا تستفيد الأطراف المنافسة، أو التنظيمات المتطرِّفة من أيِّ ثغرات أو تباينات.
ولتأمين هذه المنظومة، تحتاج دول الخليج إلى تعزيز دفاعاتها المشتركة، خصوصًا في مجالات الدفاع الجويِّ والبحريِّ والأمن السيبرانيِّ، وإنشاء مراكز عمليَّات قادرة على اتخاذ قرارات فوريَّة. كما أنَّ الانفتاح على شراكات أوسع مع دول عربيَّة مثل مصر والأردن والمغرب، ومع قوى دوليَّة كأمريكا وأوروبا وتركيا والصين وباكستان، يمكن أنْ يضيف عمقًا إستراتيجيًّا للأمن الخليجيِّ.
أمام مجلس التعاون اليوم فرصة لإعادة تعريف دوره وتوسيع شبكة تحالفاته.
ونجاح دول الخليج في صياغة منظومة دفاعيَّة أكثر مرونة، يجعلها أقدر على مواجهة التحدِّيات الإقليميَّة بثقةٍ وصلابةٍ.


