يعتقد الكثير من الناس، أنَّ الشهادات العلميَّة هي الطريقة المُثلى للنجاح في الحياة، ولكن هناك العديد من العلماء، وروَّاد الأعمال والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضة، والفن، والذين تركوا بصمة كبيرة في تاريخ البشريَّة، لم يحصلوا على شهادات علميَّة، وأثبتوا عكس هذا الاعتقاد.
فالعالِم الأمريكي «توما إديسون» لم يحصل على أيِّ شهادة، أو درجة علميَّة تقليديَّة، لقد تلقَّى تعليمًا رسميًّا محدودًا في التعليم النظاميِّ، لكنَّه كان يعتمد على التعلُّم الذاتي، واكتساب المعرفة، من خلال التدريب والقراءة والتجربة -وفقًا لموقع الحديقة الوطنيَّة الأمريكيَّة- وعلى الرغم من عدم حصوله على تعليم أكاديميٍّ، إلَّا أنَّه يُعتبر أحد أكثر المخترعين إنتاجًا في العالم، حيث سجَّل حوالى 1093 براءة اختراع في أمريكا وحدها، بالإضافة إلى براءات اختراع قام بتسجيلها في فرنسا وألمانيا.
فلم تكن الشهادة العلميَّة هي مَن ميَّز «إديسون»، الذي أضاء الدنيا بمصباحه الكهربائيِّ، بل شغفه بالمعرفة، وعمله الدؤوب، وقدرته الفائقة على تحويل الأفكار إلى منتجات ملموسة.
«فرانك لويد رايت»، لم يستطع إكمال دراسته الجامعيَّة في جامعة ويسكنسن ماديسون الأمريكيَّة، والتحق بشركة «آدلر وسوليفان» في مدينة شيكاغو للتدريب فيها، وأصبح -فيما بعد- واحدًا من المعماريِّين الرَّائدين في مجال التخطيط العمرانيِّ في النصف الأوَّل من القرن العشرين، والمهندس المعماري الأشهر في التاريخ الأمريكيِّ، قام بتصميم أكثر من (1100) مبنى طوال حياته العمليَّة. «ستيف جوبز»، لم يكمل دراسته الجامعيَّة، حيث ترك كلية «Reed College» في عام 1972م، وقام بعدها بتأسيس شركته (آبل)، وأصبح من أغنى (10) أثرياء من صنَّاع التكنولوجيا في العالم.
عالم القرن السير «ديفيد لندلي»، أبو الإحصاء اللامعلمي، لم يكن يحمل درجة الدكتوراة، ولكنَّه كان أستاذًا في جامعة ويلز البريطانيَّة، من تلامذته الأستاذ الدكتور «جلال بن مصطفي الصيَّاد، أستاذ الإحصاء الرياضيِّ رئيس قسم الإحصاء الأسبق، ومشرفي على الماجستير في كليَّة العلوم بجامعة الملك عبدالعزيز. ومن تلامذته -أيضًا- البروفيسورة «سيلفيا لوتكنز» أستاذة الإحصاء التطبيقيَّة ومشرفتي على الدكتوراة في جامعة ويل.
لازال في الذاكرة الفقيه المكي الشيخ «على بكر التكروري»، تخرَّج في حلقات الحرم المكيِّ الشَّريف، وأصبح أحد أبرز الأساتذة في كليَّة الشريعة بمكَّة المكرَّمة، ولم يكن يحمل شهادة عُليا.
وحتَّى في العصور القديمة التي لم تتبلور فيها الجامعات بشكلها الحديث، نجد أنَّ هناك العديد من العباقرة الذين علَّموا أنفسهم بأنفسهم، وتفوَّقوا، وألَّفوا الكتب، والنَّظريات والاكتشافات التي أصبحت تُدرَّس في أرقى الجامعات العالميَّة في وقتنا الحاضر، وقدَّموا للبشريَّة خدمات واكتشافات ساهمت في تقدُّمها خطوات إلى الأمام، منهم على سبيل المثال: أرسطو، والرازي، وجابر بن حيان، وأمير الأطباء في العصور الوسطى ابن سينا، الذي ألَّف (200) كتاب في موضوعات مختلفة، والبيروني أوَّل مَن قال بدوران الأرض حول محورها في كتابه «مفتاح علم الفلك»، وغيرهم.
إذًا فالإبداع والابتكار لا يرتبطان بالضرورة بالشهادات العلمية، وأثبت هؤلاء العلماء العباقرة أن الشهادة العلمية ليست حاجزًا يقف بينهم وبين الإبداع والتميز.


