لم يعد هناك أدنى شكٍّ من تنامي الوعي العالميِّ الجمعيِّ بالقضيَّة الفلسطينيَّة، خاصَّةً العالم الغربي، الذي أصبح مُدركًا لبشاعة الممارسات الإسرائيليَّة، واستخدامها لسلاح التجويع لقتل الأبرياء، وحصار غزَّة لعدة شهور.. حتى المساعدات التي تمنع دخولها، وآلاف الشاحنات المصفوفة على مداخل المعابر، على مسمع ومرآى من العالم، تثبت مدى وحشيتها.. وأصبحت الهياكل العظميَّة للأطفال الذين يموتون جوعًا يوميًّا بالعشرات، تتصدر صفحات الجرائد العالميَّة، وحتى الصحف الإسرائيليَّة.
وحينما سمحت بدخول بعض المساعدات -بعد الضغط الدوليِّ المتنامي، وخاصَّةً بعد مؤتمر حلِّ الدولتين- أدخلتها بدون أيِّ خطَّة إنسانيَّة لتنظيم التوزيع، بل من خلال عشوائيَّة وفوضى عارمة اجتاحت القطاع، وبمزيد من الإذلال، وانتهاك لكرامة الإنسان، الذي يُهرع وبدون وعيٍ للحصول على حفنة دقيق، أو أرز، أو حليب أطفال.. وحتى المساعدات التي قُدِّمت، ومنها عمليَّة الإنزال الجويِّ من بعض الدول، لا تمثِّل سوى 14% من الاحتياجات الأساسيَّة للشعب الفلسطينيِّ.
بل تتمادى إسرائيل في غيها، وتعلن عزمها على ضم الضفة الغربية، بعد أنْ صادق الكنيست الإسرائيلي على مقترح فرض سيادة إسرائيل على الضفة الغربية وغور الأردن، وهو ما يعكس توجُّهًا سياسيًّا لا يعتبر لأيِّ قوانين دوليَّة؛ لترسيخ مشروع الاستعمار الاستيطانيِّ، وهو إجراء يتحدَّى القوانين والقرارات الدوليَّة. واعتبرت -الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- قرار الكنيست «خطوة تمهيديَّة نحو التهجير القسريِّ الكامل للشعب الفلسطينيِّ». وفي رام الله، ناشد حسين الشيخ -نائب الرئيس الفلسطيني- المجتمع الدولي، التحرُّك للحيلولة دون تنفيذ إسرائيل لخطوتها، باعتبارها «تصعيدًا واعتداءً على حقوق الشعب الفلسطيني».
كما أدانت الكثير من الدول، ومنها السعودية ومصر والأردن، التوجُّه الإسرائيلي الخطير في ضم الضفَّة الغربيَّة، وأعربت وزارة الخارجيَّة السعوديَّة عن إدانة المملكة واستنكارها بأشدِّ العبارات لمطالبة الكنيست الإسرائيليِّ بفرض السيطرة على الضفَّة الغربيَّة والأغوار الفلسطينيَّة المحتلَّة، وأنَّها ممارسات تقوِّض جهود إحلال السلام من خلال حلِّ الدولتين.
ولم تكتفِ إسرائيل بهجماتها العسكريَّة وسياسة التجويع، بل تتمادى في السماح للمستوطنين داخل الأراضي الفلسطينيَّة في التعدِّي على أصحاب الأرض، وسرقة مزارعهم، والاستيلاء على منازلهم بدعم من الجيش الإسرائيليِّ، وإطلاق الرصاص الحي باتجاه فلسطينيِّين أثناء عملهم بأراضيهم، شمالي الضفَّة الغربيَّة المحتلَّة، في حين أطلق آخرون مواشيهم بأراضٍ فلسطينيَّة لتخريبها. كما يجرف الاحتلال مناطق بمحاذاة البؤرة الاستعماريَّة المقامة على الجبل، ويستولي على عشرات الدونمات الزراعيَّة فيها، فضلًا عن اجتياح المسجد الأقصى من «بن غفير» وجماعات يهوديَّة متطرِّفة، لأداء صلاة تلموديَّة لاستفزاز مشاعر المسلمين، الذين يعتبرون أنَّ المسجد الأقصى خطًّا أحمرَ؛ لأنَّه يُشكِّل رمزًا دينيًّا للمسلمِين.
بكل تلك الممارسات، أصبحت إسرائيل منبوذةً عالميًّا، وليس أدل على ذلك من رفض اليونان استقبال سائحين إسرائيليِّين، ورغبة سيِّدة إسرائيليَّة - (70) عامًا- في قتل نتنياهو جرَّاء سياسته الوحشيَّة، وهناك عشرات من الإسرائيليِّين خرجوا بمظاهرات ضد سياسة التجويع في غزَّة، فالحقيقة التي أصبح يُدركها العالم أنَّ اليهود المتطرِّفين يسيطر عليهم الحقد اليهودي، ومنهم وزيرة العدل الإسرائيليَّة السابقة (أيليت شاكيد)، التي وصفت العرب «بالأغبياء، وأنَّ الأطفال الفلسطينيِّين يُشبهون الأفاعي التي يجب قتلهم قبل أنْ يكبروا».. نعم هذه هي السياسة الممنهجة التي تتبعها إسرائيل لقتل أطفال غزَّة، والتي كتب عنها الكاتب الإسرائيلي في صحيفة هآرتس الإسرائيليَّة (عودة بشارات)، بأنَّها العنصريَّة المتجذِّرة في الداخل الإسرائيليِّ، فهل الإجماع العالمي يؤدِّي إلى استئصال ذلك الورم السرطاني الذي أوجدته القُوى الدوليَّة في يومٍ ما، قبل أنْ يكبر ويتمدَّد ويصعب استئصاله؟!.


