في السنوات الأخيرة، أصبح مشهد التعليم الجامعي في العالم الثالث موضع تساؤل متزايد، خاصَّةً مع التوسُّع الكبير في إنشائها، في مختلف الدول، بما فيها منطقتنا العربيَّة. يثير هذا التوسُّع أسئلة عديدة، أهمها: هل نكرِّر نموذجًا تقليديًّا مستهلكًا؟ أم هناك فرص لإعادة تخيُّل التعليم العالي بطريقة تواكب حاجات المجتمعات، وتستجيب لتحدِّيات القرن الحادي والعشرين؟ هذا ما يحاول كتاب «الجامعات العالميَّة الجديدة: إعادة ابتكار التعليم في القرن الواحد والعشرين» للباحثَين براين بنبراس، ونواه بيكوس، وكلاهما أكاديميَّان مرموقان، حاوَلا أنْ يجيبَا عن هذه التساؤلات، من خلال دراسة تجارب ثماني جامعات ناشئة في مناطق مختلفة من العالم.
تشترك هذه الجامعات الناشئة في سمة أساسيَّة: الانطلاق من الصفر. لا تاريخ أكاديمي طويل، ولا شبكة خرِّيجين، ولا سمعة دوليَّة جاهزة. ورغم ذلك، استطاعت بعضُها أنْ تحقِّق تأثيرًا تجاوز بكثير عمرها الزمني القصير. الدرس الأهم الذي تبرزه هذه التجارب، هو أنَّ الجامعة ليست فقط مبنى أو مناهج، بل هي رؤية لما يجب أنْ يكون عليه الإنسان المتعلم، ودوره في عالم متغير. لذلك، فإنَّ العديد من هذه الجامعات تبنَّت برامج دراسيَّة مرنة، تدمج التخصصات، وتضع الطالب في مركز العمليَّة التعليميَّة، وتعزِّز مهارات التفكير النقدي، والعمل الجماعيِّ، وحلِّ المشكلات الواقعيَّة. وهي بذلك تتجاوز النموذج التقليدي الذي يفصل بين الدراسة النظريَّة، والحياة العمليَّة.
يطرح الكتاب سؤالًا صريحًا يصلح أنْ نوجِّهه إلى الجامعات الخاصَّة: لماذا وُجدت هذه الجامعة؟ هل لتقديم تعليم بمقابل مادي فقط؟ أم لخلق بيئة علميَّة قادرة على إنتاج قادة، ومفكِّرين، وصنَّاع تغيير؟ أغلب الجامعات الخاصَّة تركِّز على التخصُّصات المطلوبة في سوق العمل، مثل الطب، والهندسة، والإدارة، وهذا أمر لا يُلام عليه أحد، لكنَّه لا يكفي إذا لم يُرافقه بناء ثقافة معرفيَّة وإنسانيَّة أوسع. التجارب التي يعرضها الكتاب تُظهر أنَّ الجامعات الجديدة استطاعت أنْ تربط بين التعليم والعمل، وبين القيم المجتمعيَّة والوعي العالمي، وهو ما نفتقده في العديد من السياقات العربيَّة، حيث التعليم ما زال يُنظر إليه كوسيلة للوظيفة فقط.
كما أنَّ هذه الجامعات تطرح نموذجًا إداريًّا مختلفًا، لا يقوم على البيروقراطيَّة الثقيلة، بل على فرق صغيرة من الأكاديميِّين والمخطِّطين التربويِّين الذين يعملون بتعاون لتجربة مناهج جديدة وتقييمها باستمرار. في المقابل، نجد أنَّ العديد من الجامعات في العالم الثالث الخاصَّة ما زالت تعيد إنتاج نفس البنى الإداريَّة والتعليميَّة الجامدة، حيث يتكرَّر المنهج نفسه لسنوات، ويتم توظيف الأساتذة بناءً على الشهادات، لا الكفاءة التدريسيَّة، أو البحثيَّة؛ ممَّا يحدُّ من قدرتها على التجديد والمنافسة.
ما يُلهم في هذه التجارب، هو شجاعتها في التجريب. لم تنتظر ضمان النجاح لتبدأ، بل بدأت واختبرت، وتعلَّمت من أخطائها. وهذا بالضبط ما تحتاجه الجامعات الخاصَّة: شجاعة في الطرح، ومرونة في البناء، ووضوح في الهدف. فإذا أرادت الجامعات الخاصَّة أنْ تكون أكثر من مؤسِّسات ربحيَّة، فعليها أنْ تسائل نفسها: كيف نخلق نموذجًا جامعيًّا يُناسب بيئتنا، ويلبِّي حاجات طلابنا، ويُسهم في نهضة مجتمعاتنا لا فقط في تكديس الشهادات؟
لقد آن الأوان لننظر إلى الجامعات الجديدة الخاصَّة حول العالم، لا بوصفها حالات نادرة، بل كمرآة يمكن أنْ تعكس لنا مستقبلًا ممكنًا، شريطة أنْ نملك الجرأة على كسر القوالب الجاهزة، وإعادة تصوُّر الجامعة ليس كحائط شهادة، بل كمختبر إنسانيٍّ ومعرفيٍّ يفتح أمام طلابنا أبواب العالم.


