Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

بقــــــــــــــرة

A A
بعض قصص البقر غريبة.. وقصص البقر الحلوب بالذات لها مكانة خاصَّة، والمقصود هنا هو الأنشطة التي تدرُّ سيولةً أكيدة بأمر الله.. وأبقار هذا المقال مذهلة؛ لأنَّها في الفضاء الخارجي.. هي عبارة عن شبكة مذهلة من الأقمار الصناعيَّة التي تدور في المدار المنخفض حول الأرض، بارتفاعات تتراوح من 160 كلم إلى 2000 كلم فوق سطح كوكبنا؛ بهدف تزويد خدمات الإنترنت بيسرٍ وتكلفةٍ معقولةٍ.. ستجد أثرها في السلم والحرب، فهي من أساسيات أنشطة الحرب الأوكرانيَّة، وبعض الصراعات الأخرى، وتُستخدم للاتصالات، والملاحة، والتجسس، وتوجيه المدفعيَّة، والصواريخ.. ولكن استخداماتها الأساسيَّة سلميَّة، فهي توفر خدمات الإنترنت غير المنقطع من «يوتيوب»، و«فايس تايم»، و«انستجرام»، وباقي «الهيصة» عبر الأثير، لملايين الأشخاص حول العالم بتكاليف معقولة.. وإليكم بعض الأرقام المذهلة:

خلال فترة عشر السنوات الماضية، استطاعت شركة «سبيس إكس» الأمريكيَّة أنْ ترسل حوالى تسعة آلاف قمر صناعي؛ لتوفير خدمات الإنترنت بتكلفة معقولة من خلال شبكة «رابط النجوم»، أو «ستار لنك».. ونجحت في توفير ذلك لحوالى ستة ملايين مشترك، في حوالى مئة وأربعين دولة.. وهذه الأرقام فلكية.. الأقمار المعنية صغيرة الحجم، ومنخفضة التكلفة، وتطلق بوتيرة أذهلت الجميع.. وكأنَّها تنتج «فروج الطازج».. وعندما بدأت الشركة نشاطها عام 2002، قوبلت بالسخرية؛ لأنَّها كانت تُنافس قبضايات قطاع الفضاء مثل شركات بوينج، ونورثروب، ولوكهيد، وكولنز، وجنرال دينامكس، وغيرهم.. ولكن كما يقول المثل: (جاءت لتطل فغلبت الكل).. لم تكن الخدمة موجودة، ولم تكن أنشطة الفضاء تجارية، فكانت مقصورة على «الجيوب الكبيرة»، وأهمها لأغراض التجسس، والتصوير، والملاحة، والاتصالات، والاستكشافات المكلفة، والرصد، والأبحاث العلمية، واستكشافات الفضاء.. لم تكن الاستخدامات التجارية مجديةً؛ بسبب التكاليف الباهظة لإرسال المركبات للفضاء الخارجي، حتى ولو كان في المدارات القريبة نسبيًّا.. أحد الأسباب كانت بسبب تصميم الصواريخ التي تحمل الأقمار للفضاء، وهي أشبه بوانيت «الهايلكس» الفضائي المكلِّف جدًّا.. في كل رحلة كان ينحرق «الوانيت» ولا يُعاد استخدامه..

وبفلسفة «إيلون ماسك» مؤسس شركة «سبيس إكس» وبقدراته المالية المذهلة، استطاع أنْ يجمع فرق من العلماء والمهندسين لتصميم صواريخ ذات تكلفة معقولة، وأقمار صناعية صغيرة ومجدية اقتصاديًّا؛ لتوفير خدمات الإنترنت، وإحدى أهم مميِّزاتها نسبةً إلى جميع التقنيات الأُخرى هي إعادة استخدامها.. أشبه بعودة «الهايلكس» بعد إيصال حمولته للفضاء الخارجي ليُعاد استخدامه.. طيِّب.. وأين البقرة من كل هذا الكلام؟ باختصار شديد:

«مسك» يحلم باستيطان كوكب المريخ، الذي يبعد عن الأرض بمسافة 225 مليون كيلومتر.. يعني حوالى ثلاثمئة يوم سفر.. ويود الرجل أنْ يؤسس مستوطنة بمليون إنسان، بدءًا من عام 2050.. ولتحقيق هذا الحلم العجيب، فهو يستخدم منظومة «رابط النجوم» «ستار لينك» لتدر على شركته البلايين من الدولارات، لتمويل حلم مستوطنة المريخ.

* أمنيـــــة:

أثناء كتابة هذه الكلمات، وردني خبر (تعاقد الخطوط الجويَّة العربيَّة السعوديَّة مع شركة «سبيس إكس» لتوفير خدمات الإنترنت من بقرتهم الحلوب «ستارلنك» على متن الرحلات الجويَّة للركاب).. والمتوقَّع أنَّ المزيد سيأتي -بمشيئة الله- يعني خلال فترة بسيطة ستجد أنَّك في الغالب ستكون من مستخدمي الخدمة.. أتمنَّى أنْ يُوفَّق العالم في تقديم الخدمات المفيدة للبشريَّة، حتى وإنْ كانت تُصنَّف ضمن فئات البقر الحلوب لتمويل أهداف خياليَّة غير مؤذية للإنسانيَّة، والله الموفق لما فيه الخير.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store