Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

أول من سن نظامًا للتقاعد

A A
يعرف التقاعد عن العمل بأنه النقطة التي يتوقف فيها الشخص عن العمل تماماً، ويتم عادةً إحالة الشخص إلى التقاعد عندما يصبح غير مؤهل للعمل، إما بسبب السن، أو المرض، أو بطلبٍ من الشخص نفسه.

وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن وتيرة تقدُّم سكان العالم في العمر تتسارع في كثير من البلدان حول العالم، وذلك نتيجة للاكتشافات الطبية، لدرجة أن المنظمة العالمية تتوقع تضاعف نسبة أعداد سكان العالم فوق عمر الستين عاماً من 12% التي تم تسجيلها عام 2015م، لتصل إلى 22% بحلول عام 2050م.

ومن أوائل من سنّوا نظام التقاعد كنظام مؤسسي في العصر الحديث، هو المستشار الألماني «أوتو فون بسمارك»، كان ذلك في عام 1889م، وأصبحت بذلك ألمانيا أول دولة في العالم تتبنى برنامج التأمين الاجتماعي لكبار السن، حسب ما ذكرته إدارة الضمان الاجتماعي الألمانية (gov).. وألهمت هذه التجربة الألمانية بقية دول أوروبا، فتم تعميم نظام تأمين الشيخوخة الذي سُمِّي لاحقاً بالتقاعد، وأصبح إجبارياً مع بداية القرن العشرين، ومنذ ذلك التاريخ خضعت القوانين التقاعدية في أوروبا لعددٍ من التغيرات والتعديلات على مر السنوات، غير أن الهدف الأساسي كان تأمين حياة كريمة لفئة كبار السن.

وفي السياق الإسلامي، يُذكر أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- قد سنَّ نظاماً للتقاعد، حيث كان يقوم بصرف رواتب للمسنين من بيت مال المسلمين لضمان معيشتهم، وذلك بعدما رأى شيخاً يهودياً يتسوَّل، كما ذكر ذلك «ابن قيم الجوزية» في كتابه بعنوان: «أحكام أهل الذمة».

يقول ابن القيم الجوزية: «كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- يمر يوماً في أحد أسواق المدينة المنورة، ورأى شيخاً كبيراً يسأل الناس، ويتسوَّل طالباً المساعدة؛ فاقترب منه الفاروق وسأله: من أنت يا شيخ؟ فقال الشيخ الكبير: أنا يهودي أسأل الناس الصدقة لأفي لكم بالجزية، وأنفق الباقي منها على عيالي، فقال له الفاروق متألماً:

ما أنصفناك يا شيخ، أخذنا منك الجزية شاباً، ثم ضيّعناك شيخاً!! ثم أمسك الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بيد ذلك اليهودي وأخذه إلى بيته، وقام بإطعامه مما يأكل، وأرسل إلى خازن بيت مال المسلمين وقال له:

(افرض لهذا الشيخ وأمثاله ما يُغنيه ويُغني عياله عن السؤال)، فخصص له راتباً شهرياً من بيت المال، وأوقف عنه دفع الجزية إلى الأبد.

ثم قام الخليفة الفاروق بفعل الشيء نفسه مع الصحابة الذين بلغوا من العمر عتيا، وأعجزهم الكبر عن العمل، بأن خصص لهم راتباً من بيت المال طيلة حياتهم.

وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حين قال في حديث رواه البخاري ومسلم: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون «ملهمون»، فإن يكن في أمتي أحد فإنه «عمر».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store