يقول أحدهم: بعد أنْ التهمنا وجبة العَشاء، أبدى خوينا الأكِّيل «وهو يربِّت على بطنه، ويخلِّل أسنانه»، عدم رضاه عن كبسة الدجاج المضغوط، متمنيًا لو كانت كبسة لحم حاشي، أو تيس، أو حتى حسيل، ليلتفت له صاحبه الذي اعتاد مناكفته قائلًا: الحين تتنقد بعد ما خمشت كفوفنا فوق الصحن، وشبَّعت الكرشة، بعدين الدجاج أضمن من اللَّحم اللِّي صعب تميِّز نوعه، ومصدره، وأنا أعرفلك ناسًا شغلتهم المربحة: يشترون دبَّاب نقل بضاعة، ويحملون فيه حاشيًا، أو عجل «بتلو»، ويؤجِّرونه للجزَّارين باليوميَّة، بحيث يوقفُونه أمام الملحمة، حتَّى يظنَّ الزبائنُ أنَّ الذبائح المعلَّقة طازجة!!
الحقيقة أنَّ المواطن ليس مسؤولًا عن كشف حيل الغش المركَّبة، التي تفشَّت بأسواقنا التجاريَّة، وشملت الأسعار الغالية، العروض الوهميَّة، السلع الرديئة، بل تقع المسؤولية الكاملة على فرق التفتيش الميدانيَّة، التي يفترض فيها النباهة، الفهلوة، اللكاعة؛ لتجاري وتفضح حيل الغش الجهنميَّة!! طبعًا، هناك حيل للغش لا أخلاقيَّة، ولا نظاميَّة، تهدف لخداع أو استغلال المستهلك، سواء من خلال الكذب، والتضليل، أو إخفاء معلومات جوهريَّة، ومنها: الغش في تصنيع السلعة، وتغيير عناصرها وطبيعتها، الغش في جودة المواد الخام بطرح سلع منسوخة أو مقلَّدة، الغش في وزن السلع والكميَّة والعدد، بيع منتجات منتهية الصلاحيَّة، وذلك بهدف كسب المال بأقل تكلفة، ومثل هذه الحيل مجرَّمة قانونًا، وتنتظر مرتكبها عقوبات وخيمة.
لكن، حيل الغش التي نقصدها، هي تلك التي يصعب ضبطها، أو تجريمها أخلاقيًّا ونظاميًّا؛ لأنَّها وإنْ ضلَّلت المستهلك تظلُّ أقرب للممارسة الطبيعيَّة، وقد حذَّر خبراء من مؤسسة «ويتش» البريطانيَّة لحماية المستهلك، من أنَّ المنتجات التي تضعها المتاجر الكُبْرى على الرفوف في (مستوى العين)، غالبًا ما تكون ذات أسعار مرتفعة، بينما توضع البدائل الأرخص، أو ذات الجودة المماثلة في الرفوف السفليَّة والأماكن غير الواضحة، كما تلجأ المتاجر الكُبْرى، لوضع المنتجات الأساسيَّة مثل الحليب والبيض بالمؤخِّرة، أو بأماكن متباعدة، فلا تصل إليها إلَّا وقد اشتريت سلعًا كثيرة!!
بينما، توجد هناك حيل تسويقيَّة، هدفها جذب انتباه المستهلك واستغفاله، ومنها: حيلة الإعلان: من خلال مشاهير الغفلة اللي كل همِّهم جمع المال والمتابعين، حتَّى لو كانت السلعة رديئةً أو مضرَّةً، حيلة التهديد: كأنْ يقول لك البائع إنَّ هذه آخرُ حبَّة بالعرض، فلا تفوِّت الفرصة، وحيلة الكثرة: التي توحي لك أنَّ هذا الفيلم يتصدَّر شبَّاك التذاكر، أو هذا الكتاب الأكثر مبيعًا، أو كما يفعل بعض الأطباء حين يتعمَّد الحضور للعيادة متأخِّرًا؛ بحجَّة أنَّه كان في عمليَّة، أو جولة استشاريَّة على المرضى، وذلك لخلق انطباع أنَّه عبقريُّ زمانهِ، وإلَّا لما كانت لديه كل هذه المواعيد العديدة!!
وعودة للقصَّة التي بدأتها، يكمل راويها: لم يتمالك خوينا الأكِّيل مشاعره، حين عرف بحيلة دباب الحاشي، فأزاح مشروب بيبسي الدايت من أمامه، واستند على التكاية، محاولًا الجلوس وهو ينهج من التخمة؛ ليلقي حكمته البليغة: طالما حيل الغش متفشِّية، خلُّونا على مضاغيط الدجاج المبرَّدة، وصدق خير الأنام: (يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي المَرءُ مَا أَخذَ، أَمِن الحَلالِ أَمْ مِن الحرامِ)، وإذَا كانَ ولا بُدَّ (غُشَّني بالثَّمن، ولا تغشَّني بـ»الكبسةِ»)!!


