وصلني عبر البريد مؤخَّرًا رسالة من متابِعة، تحدَّثت فيها عن إحراجها أحيانًا من الذهاب وحدها إلى المقهى، وكيف أنَّ المجتمع ما زال ينظر للجلوس منفردًا وكأنَّه نقيصة، أو علامة على العزلة. لكنِّي أؤمن أنَّ العزلة ليست عيبًا، بل أحيانًا تكون نعمةً.
الذهاب وحيدًا إلى المقهى، أو حتى في رحلة قصيرة لا يعني الوحدة، بقدر ما يعني منح الذات فرصة للإنصات. نحن في عالم صاخب تتناوب فيه الأصوات والشاشات والضغوط، لذلك يصبح الانسحاب قليلًا من الضجيج متطلَّبًا إنسانيًّا. في المقهى، وأنت وحيد، يمكنك أنْ تنصت لحديثك الداخلي، أنْ تراقب تفاصيل الآخرين، دون أنْ تكون جزءًا من دوامة أحاديثهم، أنْ تفكِّر بصفاء، وتكتب أو تقرأ، أو حتى تكتفي بالتأمُّل.
حتى في السفر، ينصح كثير من الخبراء بخوض تجربة السفر منفردًا؛ لأنَّها رحلة اكتشاف الذات أولًا قبل اكتشاف المدن. أنْ تخطو خطواتك دون اعتماد على أحد، أنْ ترتِّب يومك كما تشاء، وأنْ تواجه نفسك بقراراتك دون تداخل أو وصاية. حينها تدرك أنَّك قادر على أنْ تكون مكتفيًا بذاتك، وأنَّ الاستقلالية ليست قسوة، بل شكل من أشكال النضج.
نحن بحاجة لأنْ نغيِّر نظرتنا: أنْ تكون وحيدًا لا يعني أنَّك معزول، بل قد يعني أنَّك أقرب إلى نفسك. العزلة الواعية تصالح مع الداخل، وهي خطوة أُولى نحو بناء سلامٍ داخلي، ينعكس على علاقتنا بالآخرين.
* من النافذة:
الوحدة ليست فراغًا يخيفنا، بل مساحةٌ تمنحنا وضوحًا أكبر لنرى أنفسنا بصدق.


