خلقنا الله -سبحانه وتعالى- لعبادته، وإعمار الأرض. ونعلم أنَّ عبادته تكون فرديَّة وليست جمعيَّة، حتى لو عبدنا في جماعة كالصَّلاة، والحجِّ مثلًا؛ لأنَّ الله تعالى سوف يحاسبنا يوم الحساب أفرادًا لا جماعاتٍ، وهذا يعني أنَّ الاتِّصال بالله تعالى، من خلال العبادات، بدءًا من الدعاء، وانتهاءً بالعبادات المفروضة علينا.
كما يتطلَّب من كلِّ فردٍ إعمار الأرض، وهذا يتم من خلال الجماعات، سواء كان ذلك في المعمل، أو المصنع، أو المزرعة، أو أيِّ ميدان للإنتاج المخصص للبناء التنمويِّ، لكنَّ اللافت للانتباه، أنَّ بعض مجتمعاتنا العربيَّة التي وهبها الله الكثير من المقوِّمات الحضاريَّة التي تحتاجها التنمية كالكوادر البشريَّة التي تتجاوز في عددها 350 مليونًا، والثروات الكامنة في باطن الأرض كالبترول، والغاز، والمعادن بمختلف قيمها، والتي فوق الأرض كوجود الأراضي الزراعيَّة الواسعة التي تكفي كفاية كاملة لسكَّانها، وتُصدَّر إلى مختلف بلدان العالم، وكذلك المواقع الإستراتيجيَّة الهامَّة جدًّا، والتي تتوسَّط الكرة الأرضيَّة وتسيطر على أهم منافذها البحريَّة والبريَّة، ولكنْ -للأسف- بالرغم من كل ذلك الثَّراء، نجد أنَّ أمتنا العربيَّة تقبع في ذيل قائمة دول العالم تقدُّمًا ونموًّا حضاريًّا، ولا بُدَّ لهذا الخلل الكبير جدًّا من وجود أسباب تقف عاجزةً عن تحقُّق ذلك التطوُّر المستوجب لذلك النموِّ، والتي يمكن أنْ أوجزها في أسباب معروفة جدًّا، ولكن جامدة الحِراك لعلَّ أبرزها: الفهم الخاطئ من قِبل البعض لديننا الحنيف الميسر بأمر الله تعالى، والذي أجمله الله وكمله وأتمه في كتابه الكريم، هذا الفهم أدى إلى انحراف هؤلاء عن التعليمات الربانية، فأصبحت بعض مجتمعاتنا تعيش أحلام الماضي وذكرياته، وأقوال أصحابه ثمَّ حوَّلوا تلك التعاليم البشريَّة إلى معاملات وسلوكات وعادات وتقاليد تضمَّنتها مناهج التعليم، وخطب المنابر، وهجر الكتاب الذي أحكمه الله وفصَّله، فتحوَّلوا إلى الماضي الجامد المقدَّس، بدلًا من الحاضر والمستقبل الذي يستوجب البناء والنماء، وهكذا أصبح كتاب الله تعالى الكامل التام المفصل المفسر لا يمثِّل إلَّا الجزء اليسير من الدِّين، ذلك الدِّين البشري الموازي، وهذا ما يمكن أنْ ينطبق عليه قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
ونعلم تمام العلم أنَّ الجهل المدقع الذي أصبح يشمل بعض مسارب بلادنا العربيَّة والإسلاميَّة قد ساهم في ذلك، فالجهل يُعدُّ مهلكة الأفراد والأمم معًا؛ كونه يجعل حامله أقرب إلى الأنعام في ممارسة حياته؛ لذا وصف الله تعالى الجهلاء بالأنعام، حين قال سبحانه: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، فالسمع والعقلانيَّة تُعدَّان أهم أدوات التعلم، وفقدان دورهما يجعل حاملهما يحتل مرتبة جاهل، وفي هذه الحالة تصبح الممارسة الحياتيَّة لمن يتَّصف بهذه الصفة تتسم بالتبعيَّة والغوغائيَّة والخرافة، وهذا بالتمام ما يفعله المقدِّسون للبشر؛ لأنَّ التقديس لا يكون إلَّا لله تعالى، وممارسته مع البشر يُعدُّ شركًا بواحًا، ولو أسقطنا ذلك على الواقع الممارس عند البعض من المسلمين، نجده يبالغ في المدح والتبجيل لحد التقديس، حينما يجعل ما يفعله أو يقوله لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
ولعلنا نجد هذه الحالة موجودة في بعض مجتمعاتنا الإسلاميَّة بدرجة لافتة.
وفي الجانب الآخر نجد أنَّ المقدّسين من البشر يجدون في ذلك تضخيمًا لذواتهم تجعل الشيطان يدخل من خلالها، فيوهم ذلك الشخص المقدس أنَّه فوق النقد، وأنَّه بلغ مرتبة الكمال الذي يخص الله تعالى، وهنا يتَّضح أيضًا حجم الجهل الذي يحرك سلوكه ومعاملاته كونه صدق المكذوب المبالغ فيه، وهنا يدخل المقدِّس -بكسر الدال- والمقدَّس -بفتح الدال- إلى طريق الإنحراف اللذان يستحقَّان من خلاله وعد الله تعالى في قوله: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، ويكفي أنَّ نبراسنا وقدوتنا رسولنا -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال عن نفسه: (لا تُطْونِي كَمَا أَطْرتِ النَّصَارَى ابنَ مريم، إِنَّما أنَا عبدُه، فقولُوا: عبد الله ورسوله).


