أوَّل مَن فكَّر في تاريخنا الحديث في إنشاء مكتبة عامَّة لمدينته، الأمريكي بنجامين فرانكلين، عندما أقام مكتبة فيلادلفيا العامَّة في عام 1731م. والفكرة لها تاريخ عريق، حيث شهدتها حضارات قديمة، كما في اليونانيَّة، ثمَّ انتشرت بكثرة في الحضارة الإسلاميَّة في المدن الكُبْرى في العالم الإسلامي في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، وقرطبة، وبغداد، والقاهرة، وغيرها، وكان اهتمام المسلمين بها كبيرًا بما أدَّى إلى زخمٍ علميٍّ ومعرفيٍّ كبيرٍ أثرى الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة. وتُعدُّ مكتبات المدن العامَّة أماكن حيويَّة للمجتمع، يتوفَّر فيها ليس فقط مصادر معلومات وثقافة وتعليم، بل وترفيه لكافَّة شرائح المجتمع، من سن الطفولة، إلى الشيخوخة، حيث تعزِّز القراءة والتعليم الذاتي، وتعزِّز المهارات، كما أنَّها تُسهم في تنمية المجتمع. في مقال للأمير بدر بن فرحان وزير الثقافة، نشره في جريدة الشرق الأوسط في 3 ذو القعدة 1442هـ، يصف المكتبة العامَّة بقوله: «إنَّها ليست فقط وعاء معلوماتي، بل منصَّات ثقافيَّة شاملة، وهي تساهم في النمو الاقتصاديِّ والتعليميِّ والاجتماعيِّ والثقافيِّ، كما تنصُّ عليه رسالة هيئة المكتبات في الوزارة». ومكتبات المدن العالميَّة الكُبْرى مثل مكتبة نيويورك، وشيكاغو، والكونجرس، والأسكوريال في مدريد، ومكتبة المتحف البريطاني في لندن، والمكتبة الوطنيَّة في باريس، هي كما أشار الأمير بدر أصبحت منصَّات ثقافيَّة شاملة تتباهى بها مدنها.
في مدينة الطائف، مكتبة ابن عباس، تُعتبر مكتبة المدينة العامَّة، كانت ملحقةً بمسجد عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- وتمَّ نقلها داخل حي السلامة لا يعرف مكانها معظم سكَّان وزوَّار الطائف. المكتبة كانت ثريَّةً بمحتوياتها من مخطوطاتها، وكتب نادرة، ومصادر معرفة، وكانت تمثِّل وجهةً لكل المهتمِّين والمثقَّفين من سكَّان الطائف وزوَّارها، وكنتُ في مراحل الدراسة المختلفة أتردَّد عليها كثيرًا فأجد بين جوانبها إجابات عن أسئلة كثيرة كانت تمرُّ بي. وقد قام الزميل الدكتور عثمان الصيني بجهد ضخم جدًّا في تصنيف مخطوطات المكتبة وطباعته.
في مقال الأمير بدر بشائر بأنَّ هيئة المكتبات تقوم بحصر المكتبات العامَّة، وتضع السياسات والإستراتيجيات اللازمة لتطويرها وتحويلها إلى مكتبات عصريَّة تجمع بين الرقميَّة والتقليديَّة، وتكون بالفعل منصَّات ثقافيَّة حيويَّة، وهو ما أرجو من الهيئة أنْ تكون مكتبة ابن عباس ضمن مخططها، وأنْ يُقام لها مبنى يليقُ بتاريخها، وفي قلب مدينة الطائف في المساحات المتوفِّرة كمواقف عامَّة في منطقة السليمانيَّة، وبالقرب من مسجد ابن عباس على نمط عمارة الطائف الوارد ضمن الخريطة العمرانيَّة التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان -نصره الله- لتفاخر بها الطائف، وتحقق المستهدَفات المرجوَّة منه.


