قد يتبادر ذهنيًّا عند البعض، سؤال مطروح مفاده: مَن أوَّل مَن وضع الخطبة كجزء من صلاة الجمعة؟ فهذا التساؤل لم نجد له في كتب التاريخ إجابةً تحدِّد بداية تلك الخطب، وخاصَّةً خطب الرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في أيام الجمع؛ لأنَّ المفترض أنْ تتجاوز تلك الخطب له -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- خمسمئة خطبة، لكن لم يُذكر منها شيء، وخاصَّة أنَّ هذه الخطب -تحديدًا- تُعدُّ خطبًا متواترةً؛ لأنَّ الحضور لها وسماعها قد يصل إلى الآلاف في كلِّ خطبة، بينما نجد أنَّ بعض الأحاديث التي رواها اثنان فأكثر، تُعدُّ متواترةً، فمثلاً خطبة الوداع التي خطبها -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في جماعة، أصبح محتواها -كاملًا- منقولًا منذ أربعة عشر قرنًا، وفي جانب آخر، نجد أنَّ هنالك أحاديث تُعدُّ آحادًا تُقدَّر بالآلاف، نُقلت إلينا، فهل كان رسولُ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يخطبُ بالقرآن الكريم؛ لأنَّ القرآن فيه كل المواعظ والتوجيهات، أم هذه الخطبة -أي خطبة الجمعة- مستجدَّة بعد وفاة الرسولِ -عليه الصَّلاةُ السَّلامُ- وتحديدًا في العصر الأمويِّ وما بعده؟ وهل هذه الخطبة المستجدَّة وُضعت للتوجيه والنصح الشرعي، أم أنَّ كان هدفها سياسيًّا مغطًّى بثوبٍ شرعيٍّ، فخطبة الجمعة كما نعلم تُعدُّ الخطبة الوحيدة التي يجتمع فيها كافَّة أطياف المجتمع، الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والمثقف والجاهل، والتي يُشترط في حضورها الصَّمت المطبق، فلا تجد لأحدٍ من الحاضرين فيها ركزًا.
فتلك الخطبة -تحديدًا- أصبحت من الأمور الثابتة، قبل صلاة الجمعة، فما علاقة ذلك الالتزام بالصَّلاة التي تُعدُّ ركنًا لا يمكن تجاوزه؟
واللافت للانتباه أنَّ تلك الخطبة -تحديدًا- أصبحت مجالًا مفتوحًا في بعض المجتمعات لاجتهاد الخطباء، أو توجيهه من قِبل القادة، حيث تحوَّلت في أغلب جوانبها إلى توجيه سياسيٍّ، أو تعزيزٍ مذهبيٍّ، أو طائفيٍّ، فكل أصحاب مذهب ينقل من التراث الخاص به ما يراه حقًّا، أو حتَّى ما يراه باطلًا! وهنا تحدث الكثير من بذور التنافر، والتشرذم، والتفريق بين أبناء الأمة الإسلاميَّة، وهذا -للأسف- ما زال يحدث ويتنامى داخل المجتمعات الإسلاميَّة حتَّى يومنا هذا، بالرغم من النَّهي الربانيِّ عنه في كتابه الكريم حين قال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)، كما يسهم هذا في بحث الخطيب عن استدلالات من بعض الأحاديث المكذوبة، أو الضعيفة، أو من التراث الذي تركه الأسبقون، كما في قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
وفي جانب آخر، نجد أنَّ الكثير من خطباء الجمع يحاولون استجلاب ما كان يحدث في العصور الأولى، من باب التقليد فقط، مثل رفع الصوت بدرجة مزعجة، وتناسى هؤلاء أنَّ القدماء كانوا يرفعون أصواتهم؛ لعدم وجود مكبِّرات للصوت، أمَّا الآن فأصبحت المكبِّرات هي مَن يقوم بهذا الدور، وحتَّى في جانب قراءة القرآن الكريم، حيث يصبح صوت المكبِّرات يلجلج في مسارب الحي، وتناسى هؤلاء أنَّ الله تعالى يقول في كتابه: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وهنا لا يتم السمع، فكيف بالإنصات الذي يُّعد أعمق خارج المسجد؟! كما وأنَّ رفع الصوت حتَّى بدون مكبِّرات لا يصحُّ؛ التزامًا بقول الله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا).
وكم أتمنى أنْ يهتم خطباء الجمع بمناقشة القضايا الاجتماعية الساخنة، التي يشكوها كل مجتمع، بدلًا من السرد المتكرر من عبارات قال فلان، وقال علان، والتخلي عن الدعاء على الأمم، بل يكون الدعاء لهم بالهداية، فهذا ما يستوجب على كل مسلم أنْ يفعله، فهو القدوة في أخلاقه وقيمه، وأنْ يكون متمثِّلًا بذلك لنشر القيم الفاضلة لديننا الحنيف.


