Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

الجرائم الإلكترونية.. ودور المملكة في التصدي لها

A A
الجرائم الإلكترونيَّة لم تعد تهديدًا محصورًا في جزء من العالم، أو ضمن دول معيَّنة، بل هي خطر عالمي تحرص المؤسَّسات والأفراد والدول إلى الإسراع في تبنِّي ممارسات وقائيَّة فعَّالة، ومع النمو المتواصل للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعيِّ، تبرز أهميَّة التعاون المستمر، والجاهزيَّة الأمنيَّة على كافَّة المستويات.

حيث تشير تقارير Cybersecurity Ventures إلى أنَّ الخسائر الناجمة عن الجرائم الإلكترونيَّة تجاوزت 9 تريليونات دولار في عام 2024، ومن المتوقَّع أنْ تصل إلى 10.5 تريليونات دولار بنهاية عام 2025م، وتشمل هذه الخسائر سرقة البيانات الماليَّة والشخصيَّة، والاحتيال عبر الإنترنت، وهجمات الفدية، واستهداف البنية التحتيَّة الحيويَّة.

وحيث إن المملكة تُعتبر من أسرع الاقتصادات الرقميَّة نموًّا في الشرق الأوسط، فقد أصبحت هدفًا رئيسًا للهجمات السيبرانيَّة، وتشير بيانات الهيئة الوطنيَّة للأمن السيبراني إلى أنَّ المملكة تعرَّضت لأكثر من 22 مليون هجومٍ إلكترونيٍّ في النصف الأول من عام 2023 فقط.

وأغلب هذه الهجمات استهدفت قطاع المال، والطاقة، والجهات الحكوميَّة؛ نظرًا لقيمة البيانات الحسَّاسة لديها، ويُقدِّر الخبراء أنَّ الخسائر المحتملة قد تصل إلى 20 مليار ريال سنويًا، إذا لم يتم التصدِّي لها بشكل حازم.

فعزَّزت المملكة منظومتها السيبرانيَّة، عبر العديد من المبادرات منها: إنشاء المركز الوطني للأمن السيبراني لتنسيق الاستجابة للهجمات، وإطلاق الإستراتيجيَّة الوطنيَّة للأمن السيبرانيِّ 2020 - 2025 لحماية القطاعين العام والخاص، وتأهيل الآلاف من الكفاءات الوطنيَّة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعيِّ.

بالإضافة إلى سنِّ تشريعات صارمة مثل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتيَّة، الذي تصل عقوباته إلى السجن عشر سنوات، وغرامات بملايين الريالات.

وبالرغم من قوَّة الأنظمة والتشريعات، يظل وعي الأفراد هو العامل الحاسم، فمعظم الاختراقات تبدأ نتيجة خطأ بشري بسيط، مثل الدخول على رابط خبيث، أو مشاركة كلمة مرور، وتشير الإحصاءات إلى أنَّ أكثر من 80% من الهجمات عالميًّا تنجح بسبب ضعف الوعي الأمني؛ ممَّا يؤكد أهميَّة تكثيف برامج التثقيف والتدريب للمجتمع.

ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، قد نشهد هجمات أشد خطورة، مثل استخدام التزييف العميق (Deepfake) أو الروبوتات الخبيثة، وهو ما يستدعي تعاونًا أكبر بين الدول، واستثمارات مستمرة في الحلول التقنيَّة والتشريعيَّة، إضافةً إلى تعزيز الثقة الرقميَّة لدى الأفراد والمؤسسات.

فالجرائم الإلكترونيَّة لم تعد مجرَّد تهديد فردي، بل أصبحت خطرًا إستراتيجيًّا عامًّا يمس الاقتصاد والأمن القومي للدول، وفي ظل التحدِّيات المتزايدة، تمضي المملكة بخطوات رائدة عبر إستراتيجيَّاتها الوطنيَّة وتشريعاتها المتطورة لتكون نموذجًا إقليميًّا في حماية الفضاء السيبرانيِّ، ومواجهة هذا الخطر العالمي.

ومع كل الجهود التي تبذلها الدولة في حماية حقوق سكانها من مواطنين ومقيمين، إلَّا أنَّ هناك مسؤولية كبيرة على الأفراد، وهي الحفاظ على حقوقهم، واتباع نصائح الخبراء في حماية أرقام حساباتهم، وعدم التعامل مع الأرقام المجهولة المحليَّة والدوليَّة، أو الشراء من مواقع غير معتمدة، أو غير حقيقيَّة، وعدم التسرُّع في التجاوب مع التخفيضات الوهميَّة الإلكترونيَّة من إحدى وسائل الاتصال الإلكترونيَّة التجاريَّة.

ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، أتمنى أنْ تكون هناك حملة إعلامية تثقيفية للمجتمع السعودي في مختلف مناطقه، في المدارس والجامعات والمعاهد والجمعيات الخيرية، وجميع أجهزة الدولة، على أنْ تكون حملة وطنية تثقيفية للمجتمع ليكون سدًّا منيعًا لكل محاولات الجرائم الإلكترونية، حيث إنَّ كثيرًا من الذين وقعوا في فخ تلك الجرائم؛ كان نتيجة جهلهم في التعامل مع الخدمات والمواقع الإلكترونيَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store