المقصود بالسُّلومِ، العاداتُ والتقاليد والأعراف المتوارثة في بيئةٍ معينة أو مجتمعٍ ما، غير أن الأمر الذي ينبغي التنبُّه له - بخصوص هذه السلوم- هو أنها ليست جميعها صوابًا وذات نفع وجدوى؛ بمعنى أنه لا يمكن تزكيتها جميعها وإنزالها منزلة القداسة، ثم إن هذه السلوم ربما لا تكون سلومًا متوارثة عن الآباء والأجداد؛ وإنما هي سلوم مستحدثة طارئة على بيئتها ومجتمعها، وكل الذي حصل هو استمراؤها وتقبل المجتمع لها حتى ظُنَّ أنها سلوم ذات جذور ضاربة في تاريخ المجتمع.
استحضرتُ هذه السلوم بعد مشاهدتي لمقطع يتحدث فيه صاحبه عن شابٍّ استوقفه وهو يقود سيارته، ثم طلب منه أن يستمع لقصته ويعمد لنشرها. وتتلخص قصة الشاب في أنه أراد ذات يوم إكرام ثلة من الضيوف، فدعاهم إلى مجلسه، وحينما حان وقت تقديم الطعام قدَّم لهم خروفًا (مفطَّحًا) وعليه كامل ملحقات الضيافة من فواكه وشراب وسلطات وما يلحق بها، وبعد أن قرَّب إليهم الصحن الذي يرقد فيه الخروف المفطح قال لضيوفه تفضلوا، لكن الذي حصل هو أن الضيوف أحجموا عن الجلوس على الطعام، وعندما سألهم عن السبب قالوا له إنك لم تضع رأس الخروف مع المفطح، ونحن لن نأكل من طعامك وهو (ناقص). حاول إقناعهم، وحلف لهم أنه ذهب بنفسه للسوق واشترى لهم خروفًا من أطيب الخرفان المعروضة، لكنهم أبَوا وقاموا إلى (بشوتهم) وأخذوها ثم انصرفوا بعد أن صرف الله قلوبهم عن نعمة وافرة. ما حصل للمضيف بعد ذلك كان حكاية أخرى؛ وهو أن والده وأعمامه نزلوا عليه سبًّا وتأنيبًا وتنقُّصًا؛ كونه لم يضع رأس الخروف مع المفطح، وعلى إثر ذلك أُصيب المضيف بحالة من الإحباط، وتردَّت حالته النفسية، فقرر لزوم بيته وعدم الاختلاط بأحد، وقد مضى على القصة عشر سنوات والمضيف يتجرع تبعاتها وقد اسودَّت الدنيا في عينيه وضاق ذرعًا بالناس.
والآن يمكننا القول: أولًا- إن اشتراط الضيف على المضيف نوعًا من الطعام أو صفة معينة له وعدم قبوله بأي نقص فيه فهذه ليس من (سلوم العرب) وإنما هي من (الهياط) وبطر النعمة، وإن كانت من سلوم العرب فبئس بها من سلوم. ثانيًا- إن هذه النوعية من الضيوف حقها أن يفتح المضيف لها الباب واسعًا ويقول لها (الباب يوسع جمل) فلستم أهلًا للإكرام. ثالثًا- كان ينبغي على والد المضيف وأعمامه أن يقفوا مع ابنهم المضيف لا مع الضيوف (المهايطين) الذين تسببوا في مرض ابنهم وانعزاله عن الناس وكرهه للحياة عشر سنوات. رابعًا- لو كان هؤلاء الضيوف جوعى وأهلًا للإكرام لأكلوا مما وجدوا وَلَحَمِدوا الله على النعمة وشكروا للمضيف صنيعه، ولذا يصح أن يُقال فيهم:
قَد مَاتَ أجْدَادُهُمْ جُوعًا ومَا شَبِعُوا
وهُمْ يَمُوتُونَ - ياللهِ- بالشَّبَعِ!
وسُنَّةُ الرَّبِّ في ذا الكَوْنِ ماضِيةٌ
وليس تُدْفَعُ بالآثَامِ والبِدَعِ
#محسن


