Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

(‏حارة الشبيكة).. تاريخ وحضارة مكية

A A
‏في بادرة تنمُّ عن عشق الانتماء للمكان والتاريخ والتراث، احتفى أهالي مكَّة المكرَّمة، مع مجلس حارة الشبيكة، بتدشين كتاب (حارة الشبيكة)، في قاعة بدر للاحتفالات، والذي قام بفكرته وجمعه وإعداده نخبة متميِّزة من رجالات مكَّة، وكان الحفل أنيقًا وراقيًا، جمع القلوب على الحبِّ والانتماء.

‏حارة الشبيكة، هي إحدى الحارات التي شرَّفها الله بدخولها في التوسعة السعوديَّة المباركة؛ لزيادة الطاقة الاستيعابيَّة للمسجد الحرام.. وهي من أشهر الحارات المكيَّة. وجاء الكتاب في حُلةٍ أنيقة، وإخراج بديع بـ329 صفحةً ذاخرةً بكلِّ جماليَّات التراث المكيِّ الفنيِّ، من صور عن المسجد الحرام قديمًا وحديثًا، وقصائد تاريخيَّة مثل قصيدة (أهيم بروحي على الرابية) للشاعر والأديب طاهر زمخشري، التي غنَّاها الفنَّان الكبير طارق عبدالحكيم:

(‏أهيمُ بروحِي علَى الرابيَة

وعندَ المطافِ وفِي المَروَتَينِ

وأهفُو إِلى ذِكرَى غاليَة

لَدَى البيتِ والخيفِ والأخشبَينِ

فيهدرُ دمعِي بآماقيه

ويجرِي لظاهُ علَى الوجنتَينِ)

كلُّ ما في الكتاب يثير الشوق والحنين لمن عاصروا تلك الفترة التاريخيَّة، والتي خلَّدتها المصادر التاريخيَّة التي استعان بها مؤلِّفو الكتاب، ومنها: مرآة الحرمين لرفعت باشا، وأخبار مكَّة لأبي الوليد الأزرقي، و(أطلس مكَّة المكرَّمة من السماء) لمعراج مرزا.. ‏وقد وثَّق الكتاب الموقع التاريخي للحارة، وموقعها بالنسبة للمسجد الحرام؛ ممَّا يساعد الأجيال الجديدة في فهم المعاني السامية في الترابط الاجتماعي بين أحيائها، وتوثيق لأزقَّتها ومبانيها والرَّواشين الخشبيَّة التي كانت تُكلِّل المنازل بجمال وفن العمارة الإسلاميَّة.. ‏كما ركَّز على الحياة الاقتصاديَّة باعتبار مكَّة ملتقى التجَّار المسلمين.. ‏ووثَّق الكتاب العوائل المكيَّة التي سكنت الحارة، وما حولها من الأزقَّة، وأنشطتها التجاريَّة.. وكانت تتداخل فيما بينها على جبل هندي (القيقعان)، وترتبط بسلسلة من العلاقات الاجتماعيَّة والأنشطة التجاريَّة في خدمة الحجَّاج والمعتمرين.. ومن نهاية حارة الشبيكة من الناحية الغربيَّة يطل جبل عمر شامخًا. وهو الذي اختلفت المصادر التاريخيَّة بمدى نسبته إلى سيدنا عمر بن الخطاب.

لم ينسَ مؤلِّفو الكتاب الإشارة إلى الأحواش، والأربطة، والمقابر، والمساجد، والإدارات الحكوميَّة التي كانت موجودة، والحرف والمهن التي زاولها التجَّار، بدءًا من محلات الجزارة، والفكهانيَّة والخضريَّة، والخبَّازة، إلى محلات بيع السَّمن البلدي والعسل، والأعمال الخشبيَّة والخراطة، والصاغة، والسقَّاية والطوافة، والسبحيَّة والصِّرافة وغيرها.

ثمَّ قدَّم الكتاب أشهر الشخصيَّات المكيَّة، وخاصَّة أولئك الذين عملوا في التعليم في مراحله الأولى، وأشهر المدارس وصولًا إلى كليَّات التربية، وتحدَّث عن أهم الوظائف التي شغلها أبناء حي الشبيكة، وهي وظائف قياديَّة أسهمت في التنمية الوطنيَّة، في مجالات الطب والهندسة والطيران ووزارة الخارجية، وكثير منهم حصلوا على وظائف مرموقة في الرياض وجدة والدمام.

لم يغفل الكتاب الفنون المكيَّة وأشهر الفنَّانين، مثل فن الصهبة، وهي من التواشيح الحجازيَّة المستوحاة من الموشحات الأندلسيَّة والمجس، والمزمار، والعادات والتقاليد المكيَّة في الأفراح والأتراح، وفي المواسم، مثل الشعبنة، وفي رمضان، والعيد، والحج.. وحقيقةً، هذا الجزء إلى آخر الكتاب هو عن التراث المكيِّ بصفةٍ عامَّة، وليس فقط عن حارة الشبيكة؛ ممَّا ساهم في إلقاء الضوء على كثير من التراث المكيِّ.. وهذا الكتاب والحفل كان للتواصل الحضاري بين الأجيال من أبناء الشبيكة، ويدعمه سابقًا إقامة حفل سنوي في العيد.

‏كل الشكر والتقدير لمؤلِّفي الكتاب؛ الذي جمع بين دفَّتيه تاريخ وحضارة مكيَّة، تم توثيقها باحترافيَّة، وهم الدكتور عبدالله عطَّار، والدكتور زهير غنيم، والمهندس جمال عريف، والمهندس فوزي العمري. ونتمنَّى أنْ تحذو بقيَّة الحارات المكيَّة مثل هذا النهج العلمي التاريخي في التوثيق.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store