اختلفَ الفقهاءُ في صورة فريضة الصَّلاة، التي تُعدُّ عمادَ الدِّين، ولُبَّ العبادةِ، حيث ذكروا حولها الكثير من الأقوال، التي فرغت محتواها الحقيقي الذي فُرضت من أجله، وهو الصِّلة المباشرة مع الله تعالى، من خلال تطبيق القيم الفاضلة، والمعاملات الحياتيَّة الحسنة؛ ممَّا نتج عن ذلك اكتفاء أغلب النَّاس بأداء حركات الصَّلاة جامدةً جوفاءَ غيرَ مرتبطةٍ بمعاملات الحياة، فأصبحت لا تزيدهم عن الله إلَّا بُعدًا، ولعلَّ الحديث في هذا الموضوع يدعونا جميعًا إلى إعمال العقل، فنعرف الصحيح من المزيَّف، وليكن حديثنا علميًّا ومبنيًّا على دلالات قرآنيَّة علميَّة.
نبدأ أوَّلًا بمعناها اللُّغويِّ وهو: الدُّعاء، أو طلب الدَّعم والسَّداد، حيث إنَّ الصلاة لها ثلاثة أوجه هي:
- عندما تكون الصلاة من الربِّ -سبحانه- علَى العباد، يكون المقصود بها الدَّعم والسَّداد، كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ).
- عندما تكون الصلاة من العباد للربِّ -سبحانه-، يكون المقصود بها الدُّعاء وطلبُ الدَّعم والسَّداد من الله تعالى، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ).
- عندما تكون الصلاة من النبيِّ على أتباعه، يكون المقصود بها الدُّعاء والدَّعم والمساعده، كما في قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ).
وهذا التقسيم يجعلنا نقول: إنَّ الصلاة عبادة تسعى لتحقيق استمراريَّة التواصل بين الربِّ والعبادِ، وبين العباد وربهم، حيث وردت في كتاب الله إمَّا منفردةً كما ورد في ذكر الأوجه الثلاثة السالف ذكرها، أو مسبوقة بلفظ الإقامة، التي يُقصد الصلاة الحركيَّة المفروضة على المسلمين خمس مرات يوميًّا، والتي اختلف الفقهاء في عددها، فمنهم مَن قال إنَّها خمسٌ، ومنهم مَن قال إنَّها ثلاثٌ، ومنهم مَن صحَّح جمعها، ومنهم مَن لم يصحِّحه (اختلاف)، والتي يشترط لقبولها أنْ تحقِّق تطبيق القيم الفاضلة، والسلوكات القويمة في ميدان الحياة، كما في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، فهنا ذكر لفظ الإقامة قبل الصلاة، وذكر الركوع، ونعلم أنَّ الركوع ضمن حركات الصلاة، فكيف يكون ذلك؟ إلَّا إذا كانت الصلاة تحمل معنًى أشملَ من الحركات، كما يؤكِّده قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا)، فهنا ربط الجهر بالصلاة، وليس بالقرآن فقط، أي أنَّ الصلاة تتمثَّل في الدُّعاء والقرآن معًا، وهذا يجعلني انتقدُ مَن يرفع صوته بالدُّعاء عبر المايكات؛ لأنَّ البعض يحوِّل الدُّعاء إلى زعيقٍ، وكأنَّه يخاطبُ بعيدًا، واللهُ -تعالى- أقربُ إلينَا مِن حبلِ الوريدِ، ويسمع دبيب النمل، ويعلم ما في الصدور، فَلِمَ الزعيقُ؟ لذا يستوجب أنْ يرتبط إقامتها بميدان الحياة قيمًا وسلوكًا، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، وقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (مَنْ لمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكرِ، لَمْ يزْدَدْ مِنَ اللهِ إلَّا بُعْدًا).
وفي جانب آخر، لا بُدَّ أنْ نتوقَّف عنده، وهو قول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى)، فالله -تعالى- في هذه الآية ذكر لفظ الصَّلوات بالجمع، وذكر لفظ الصلاة منفردةً، وهذا يؤكِّد أنَّ هذه تختلف عن تلك في المقصود بها، وهذا يجعلنا نستبعد أقوال الفقهاء الذين قالوا إنَّ المقصود بالصلاة الوسطى هي صلاة الظهر، والبعض قال إنَّها صلاة العصر (اختلاف)، والصحيح الذي ذكره البعض، وأنا أُرجِّح هذا الرأي، بل أرى أنَّه يتوافق مع العقل والمنطق، وهو أنَّ المقصود بالصلاة الوسطى، هي الفترة التي تقع بين كل صلاة وأُخْرى، أي الالتزام بالقيم الفاضلة، والسلوكات الحسنة، وهذا يؤكِّده أيضًا المعنى اللُّغوي المذكور في أوجه الصلاة، بأنَّ الصلاة ليست الحركيَّة فقط، بل هي الصِّلة مع الله تعالى، بتنفيذ القيم الفاضلة والسلوكات الحسنة في ميدان الحياة.
واللافت للانتباه أن الكثير من الناس يحرصون على الذهاب إلى المسجد لأداء صلاتهم الحركية، لكن تجدهم خارج نطاق التغطية أثناء الصلاة، فلا خشوع، ولا طمأنينة، ولا حتى دعاء وتبتُّل، بل أداء لحركات خلف الإمام، بينما فكره يتجوَّل خارج المسجد في قضايا حياتيَّة، والمصيبة أنَّه عندما ينتهي من صلاته، تجده يكذب، ويغتاب، وينصب، وينهب مال الغير، وهنا نجده يبتعد -كلَّ البُعد- عن الصِّلة مع الله في تطبيق أوامره، واجتناب نواهيه الحياتيَّة.


