Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

«الحب مجرد لحظة»

A A
قد يشدُّ انتباهَك العنوانُ، وهنا سأبدأُ أولًا في التأمُّل بمعنى اللَّحظات التي تغيِّر حياتنا. ففي مسيرة كل إنسانٍ مواقف تبدو عابرةً، يومان أو ثلاثة، كلمة أو نظرة، لكنَّها تترك أثرًا لا يُمحَى. كثيرًا ما نظنُّ أنَّ الحبَّ يُقاس بالسنوات الطويلة، غير أنَّ الحقيقة أنَّ ما يبقى في ذاكرتنا هو تلك اللَّحظة التي جعلتنا نبتسم من القلب، أو أبكتنا بصدق، أو منحتنا شجاعةً لم نكن نملكها. إنَّها اللَّحظات التي لا تتكرَّر، لكنَّها قادرة أنْ تضيءً عمرًا بأكمله.

إنَّ الحديث عن مرضى السرطان، هو حديثٌ عن شجاعة استثنائيَّة، فهم يخوضون حربًا يوميَّة بين الألم والأمل، ويتمسَّكُون بالحياة بأبسط صورها، من ابتسامة عابرة، إلى لحظة حب تمنحهم طاقةً للاستمرار. ومن هنا تأتي عظمة السينما التي تتناول قصصهم؛ لأنَّها لا تكتفي بالترفيه، بل تكشف قوة الروح أمام اليأس، وتذكِّرنا أنَّ العمر لا يُقاس بالسنوات، بل باللَّحظات الصادقة التي تمنح حياتنا معناها الحقيقي.

الفيلم التركي «الحب مجرَّد لحظة» جاء ضمن هذا السياق الإنساني، حيث اختار أنْ يقدِّم القصَّة بعيدًا عن المبالغة، معتمدًا على الصدق والبساطة. أكثر ما شدَّني فيه المشاهد الصامتة، فقد حملت قوة تعبيريَّة تفوق الكلمات. كنتُ أشعرُ أنَّ الصمت يروي وجعَ المرض والخوف من الفقدان بطريقة أعمق، حتَّى وجدتُ نفسي أتأثَّر وأبكي، وكأنَّ الحكاية تمسُّنِي شخصيًّا.

أداء البطلة كان عميقًا وصادقًا؛ استطاعت أنْ تُجسِّد صورة امرأة تقاوم بكل ما أوتيت من قوة، بينما تنهار في داخلها أمام المرض. في ملامحها ونظراتها شعرت أننا أمام تجربة حقيقيَّة لا مجرَّد دور تمثيلي. أمَّا البطل إيميرهـان تشاكال، فكان مفاجأة الفيلم بلا شك، إذ تُعدُّ هذه تجربته الأولى في السينما. وبرغم ذلك، استطاع أنْ يفرض حضوره بقوَّة، وأنْ يلمس قلوب المشاهدين بصدق أدائه. بدا طبيعيًّا إلى حدِّ أنَّ الجمهور نسي أنَّه يشاهد ممثلًا، وظنَّ أنَّه أمام شاب يعيش هذه الرحلة فعلًا. تلك العفوية الصادقة جعلت ظهوره الأول بمثابة وعد بمستقبل فنِّي واعد.

ما يميِّز «الحب مجرد لحظة» أيضًا هو أنَّه لم يقدِّم السرطان كقدر مأساوي بحت، بل كخلفيَّة لتجربة إنسانيَّة تُظهر أنَّ الحب في أقسى اللحظات يصبح أكثر صدقًا وعمقًا. كانت العلاقة بين البطل والبطلة بمثابة رحلة لا تبحث عن النهاية السعيدة، بقدر ما تبحث عن معنى الوجود ذاته. وهذا ما جعل الفيلم يختلف عن أعمال كثيرة تناولت الموضوع، إذ جعل المشاهد يؤمن أنَّ لحظةً صادقةً قد تساوي حياةً كاملةً.

«الحب مجرد لحظة» ليس مجرَّد عنوان لفيلم، بل هو رسالة واضحة: أنَّ لحظة حبٍّ واحدة قد تكون أعمق وأبقى من سنوات طويلة بلا روح.

* من النافذة:

الحبُّ لا يُقاس بعدد السنوات، وإنَّما بموقف واحد يثبت حضوره في القلب إلى الأبد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store