عندما نعود إلى ذاكرة الحروب القريبة زمنًا، نصطدم بحقيقة مؤلمة: دماء الشعوب ليست متساويةً في عيون العالم، وما يُعتبر بطولةً ومقاومةً في مكان، يُوصم بالإرهاب والفوضى في مكانٍ آخرَ. هذه الحقيقة تتجلَّى بوضوح حين نقارن بين ما جرى في البوسنة والشيشان وغزَّة، وبين الموقف الغربي من الحرب في أوكرانيا.
في البوسنة، عاش النَّاس سنوات تحت الحصار، يُقتلون ويُجوَّعون، فيما كان العالم يتفرَّج. مجازر مروِّعة مثل سربرنيتسا ارتُكبت على مرأى من قوات الأمم المتحدة، ولم يتحرَّك الغرب بجديَّة إلَّا بعد أنْ سالت أنهار الدماء، وفُقدت آلاف الأرواح. وفي الشيشان، دُمِّرت العاصمة غروزني بالكامل، وأُبيدت قرى بأكملها، وقُتل المدنيُّون بالآلاف، بينما اكتفى العالم الغربيُّ بالصمتِ، بل وتجاهل القضيَّة تمامًا وكأنَّها شأنٌ داخليٌّ روسيٌّ.
ثم جاءت غزَّة، لتكشف أنَّ النمط ذاته ما زال قائمًا. حصار طويل خانق، عدوان متكرِّر يحصد الأرواح بالجملة، منازل تُقصف على ساكنيها، أطفال يُنتشلُون من تحت الركام، ومع ذلك، يصرُّ الخطابُ الغربيُّ على تبرير أفعال القاتل، وتجريم الضحيَّة، بل يختصر ردهم على فظاعة ما تقوم به إسرائيل، على أنَّها تمارس حقَّها في الدفاع عن النَّفس.
لكنَّ المشهد يختلف تمامًا مع أوكرانيا.. منذ اليوم الأوَّل للغزو الروسيِّ، تحرَّك الغرب كجبهةٍ واحدةٍ: سلاح يُرسل بلا توقُّف، مليارات تُضخ لدعم الحكومة، عقوبات خانقة على موسكو، تغطية إعلاميَّة متواصلة تصوِّر المدنيين كأبطال، ومقاومتهم كحقٍّ مقدَّس. لم يَحْتَج العالم إلى مجزرة سربرنيتسا جديدة، ولا إلى مدينة كغزَّة تُدمَّر بالكامل حتَّى ينهض. بل تحرَّك على الفور؛ لأنَّ الدَّم هذه المرَّة دم أوروبيٌّ، والضحايا هذه المرَّة يشبهون «الغرب» في الملامح واللُّغة والهويَّة.
هنا تظهر المفارقة الأخلاقيَّة بوضوح: في البوسنة والشيشان وغزَّة، كان الدم يُترك حتى ينزف طويلًا تحت النار والجوع والصمت، بينما في أوكرانيا أصبح الدم جرس إنذار استنفر العالم بأسره. في الأولى، كانت الإنسانيَّة مجرَّد شعارات، وفي الثانية تحوَّلت إلى سلوك عمليٍّ وسياسات حقيقيَّة.
الخلاصة أنَّ الغرب الذي تحرَّك بكل قوته من أجل أوكرانيا، هو ذاته الذي صمت عن البوسنة، وتجاهل الشيشان، ويغض الطرف عن غزة. وهذه ليست صدفة، بل تعبير صارخ عن انتقائيَّة في القيم، ونفاق في الشعارات، وعنصريَّة في تعريف الإنسانيَّة ذاتها. ما يحدث يقول بوضوح: ليست كلُّ الدماء سواءً، وليست كلُّ الأرواح متساويةً. وهذه الحقيقة -مهما غطتها الدبلوماسيَّة- ستظل وصمةَ عارٍ في جبين الحضارة الغربيَّة.


