من صفة المرسلِين أنَّهم يأكلون الطعام، ويمشون في الاسواق، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ)، واستهجنت قريش على سيِّدنا محمَّد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كونه يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)، مدَّعينَ أنَّ هاتَين الصفتَين لا تليقان به، إنْ كان هو -فعلًا- رسولًا من عند الله.
صحيح أنَّ المشي في الأسواق، والذهاب إليها إنَّما يكون بهدف الشراء والبيع والتسوُّق، لكن فيما أظنُّ أنَّ المشي يستهدف الحركة والتحرُّك البدني كذلك، لقد أصبحت رياضة المشي في المولات الكبيرة من المظاهر الاجتماعية الأكثر حضورًا، يمارسها الرجال والنساء، ومن مختلف الأعمار، وهي تجمع بين تحقيق الرياضة البدنيَّة والناحية الاجتماعيَّة، بعضها عائلي أي زوج وزوجته، وبعضها تجمُّعات أصدقاء، والجميل هي الآن ملتقى لبعض المتقاعدِينَ للمشي والرياضة والوناسة، وتحقيق جانب اجتماعيٍّ. فالمولات اليوم لمساحاتها الكبيرة، وتعدُّد أغراضها، ووجود المطاعم والمقاهي بها، فإنَّها بالإضافة إلى قصدها للبيع والشراء، فإنَّها أماكن للتنزُّه وقضاء أوقات الاستراحة بها، خاصَّةً أنَّها آمنة ومرتبة، فالمشي سواء في المولات أو خارجها، يجدِّد الطاقة، وينفع الإنسان جسميًّا ونفسيًّا، وهو من باب الاعتناء بالصحَّة عبر نمط من أنماط الحياة المفيدة، وهو الرياضة.
ويشكل على البعض حديث رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في صحيح مسلم: (أَحبُّ البِقَاعِ إِلَى اللهِ مساجدُهَا، وأبغضُ البِقَاعِ إِلى اللهِ أَسواقُهَا)، وقد علَّل العلماءُ أنَّ أبغضَ البقاعِ إلى اللهِ الأسواقُ؛ بسبب أنَّ البيع والشراء بعضه فيه كذبٌ وغشٌّ وحلفٌ، وما أشبه ذلك، لكن إنْ كان المقصد المشي فقط، ومنفعة الجسم والنَّفس، وقضاء حاجات التسوُّق، دون ما ذُكر من سلبيَّات، فإنَّها -بلا شكٍّ- تخرج من كونها أبغضَ البقاعِ إلى اللهِ إلى ما كان يتَّصف بهِ المرسلُون (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ).


