لا أنتمي إلى قائمة الكُتَّاب الذين يُطلق عليهم هذا الاسم، ويمكن إدراجي ضمن الهواة، وأحسب أنَّي وغيري نتعلَّم منهم.
هناك كاتب تطغى على كتابته البلاغة والأناقة، وآخر تتخلَّل كتابته الواقعيَّة والمصداقيَّة، فالأوَّل يتألَّق في اللفظ وأجمل المعاني، ويأخذك بجمال أسلوبه، وحُسنِ تعبيره، والآخر يسترسل في الحديث بأبسط لفظ، وأوجز معنى، وأسهل تعبير، وبالتالي تصل إليك الفكرة واضحةً خاليةً من الرتوش والاسترسال.
وعلينا أنْ نُدرك الناحية الشخصيَّة للكاتب التي تطبع انفعالاته ووجدانه، وأحسب أنَّ الصدق في التعبير وسهولته أكثرُ قبولًا لدى القارئ الواعي، وهو الأرجح عن الأسلوب الأنيق المتكلَّف فيه، البعيد عن الحقيقة والواقع.
وأرجو ألَّا يُفهمَ من هذا؛ أنَّ كل أسلوب جميل وأنيق، بعيدٌ أو مخالفٌ للواقع، إلَّا أنَّ الاسترسال والصدق في الكتابة هو جوهر الجمال، وبالتالي فلا غرو أنْ يكون الأسلوب مرآة الكاتب؛ التي تعكس شخصيَّته ومشاعره ورُؤيته، وتكشف عن دواخل ذاته وقناعاته وهوية أفكاره؛ من خلال ما تتركه بصماته اللغويَّة، واختيارات تراكيبه من صورةٍ حسيَّةٍ في وعي القارئ الحصيف، الذي يستطيع بنضجه تصنيف الكاتب والحكم عليه.
ويدرك الباحثون اللغويُّون الآليَّات والمعايير التي يسبرُون من خلالها شخصيَّة الكاتب، ويصلون إلى أدواته الداخليَّة التي تصنع قدراته في طريقة السَّرد، وتقديم أبلغ المعاني وأصدقها وأعمقها، من خلال أقل المفردات، كما يُدركُون الأسباب النفسيَّة التي تصنع الفروق بين الكُتَّاب، وتُجسِّد حجم التباين في قدراتهم، وتُحدِّد بوصلة اتجاهاتهم الكتابيَّة، ومسارات نزوعهم نحو (الإيجاز، أو الإطناب، أو المساواة)، واختلاف قدراتهم على صناعة ما يُسمَّى (النَّظم اللُّغوي)؛ الذي ناقشه عبدالقاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة)، و(دلائل الإعجاز)، وأسهب في توصيفه العالِم نعومي تشومسكي في دراساته الخاصَّة بـ(التحوُّل اللُّغوي)، وصولًا إلى تعريفه اللُّغة الإنسانيَّة نفسها بأنَّها «مفتاح معرفة عقل الإنسان وتفكيره».
وفي جانب من وقفاتنا مع الأنماط الكتابيَّة، نُقدِّم نماذج من الأساليب التي يجيدها بعض الكُتَّاب المهرة ممَّن يمتلكُون القدرة على إيصال المراد بإيجاز غير مخلٍّ، أذكر منهم على سبيل المثال: المستشار محمد عمر العامودي، الذي كان يطلُّ من خلال مقاله الأسبوعي في صحيفة المدينة على قرَّائه ومتابعيه، تحت عنوان «حديث الأربعاء»، الذي تميَّز فيه بإيصال المعلومة بعبارات رشيقة وموجزة؛ تُستَمَد من روح كاتبها؛ الألق والبساطة والقدرة الأدبيَّة على صناعة الكلمة، وصياغة الحرف بأسلوب يلامس شغاف القلب، ويُشكِّل زادًا للروح والوجدان.
وهناك من الكُتَّاب مَن يتقن الأسلوب الكتابي الساخر؛ الذي ينال إعجاب العديدين، لا سيَّما إذا اقترب من الواقع، وسلم من الإطالة والتكرار. كما تتنوَّع تلكم الأساليب لتشمل الكتابة السرديَّة، والوصفيَّة، والتفسيريَّة، والتحليليَّة، والإقناعيَّة، إلى جانب الكتابة التعليقيَّة.
ولكل نوع منها متخصِّصوه.. ولكن يبقى: الإيجاز والمصداقيَّة قاسمًا مشتركًا في الكتابات التي تلامس قلوب الكثيرِينَ، وتترك انطباعها الإيجابيَّ لدى المتابعِينَ.


