Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ

A A
في ظلِّ الانحراف والتشرذم والتناحر الذي أصبحت تعيشه الأمة الإسلامة، وتنامى ذلك الحال حتى تحوَّل إلى كراهية وحقد وتنافر بين الشعوب، وهذا بالطبع لا يخفى على أحد، والذي يمكن لنا أنْ نعيد أسبابه إلى هجران كتاب الله تعالى، واتِّباع كلام البشر التي تقوم على اجتهادات شخصيَّة، يتنافى أغلبها مع كتاب الله تعالى، وسُنَّة نبيِّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- والتي بلغت صفحاتها -لو جُمعت- ملايين الصفحات، التي اكتظَّت بها أدراج المكتبات، بينما كتاب الله تعالى، لا يتجاوز في صفحاته ستمئة صفحةٍ، فيها اكتمل الدِّين وأتمَّت تعاليمه وفُصِّلت، وفيها بيان وتفسير لكلِّ شيءٍ بأمر الله تعالى، كما تذكره هذه الآيات الكريمة، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، وقال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)، وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ).

ومع ذلك كله، نجد أنَّ ديننا تحوَّل إلى أقوال بشريَّة عند البعض، وأُلصق الكثيرُ منها بالرسولِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وهو منها بريء؛ كونه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- لا يخالفُ كتابَ الله تعالى أبدًا، بعد أنْ أمر ببلاغه كما نَزَلَ عليه، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، وقال تعالى: (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ)، وآيات أُخْرى كثر، لكن -للأسف- أنَّ الكلام البشريَّ أصبح الغالب. ولعلَّ قوله تعالى، على لسان نبيه الكريم يوم الحساب، خير دليل على ذلك، في قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).

وهذا الأمر بالتأكيد، سوف يستمر في تناميه، وبالتالي تتضاعف عمليات انحراف وتشرذم وتناحر وتنافر الأمة؛ ممَّا يستوجب على كافَّة الجهات ذات العلاقة، سواء كانت شرعيَّة، أو سياسيَّة بالإسراع في تصحيح هذا المسار المنحرف، والعودة إلى كتاب الله تعالى الكامل التَّام المفصَّل بأمر الله تعالى، ففيه كلُّ مطالب التَّشريع العبادي، وفيه كلُّ الحلول، فهو المُحكم والمفصَّل والثَّابت يقينًا، كما في قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، والمستوجب -أيضًا- تصحيح ما ورد في الكثير من الكتب من قِبل تلك الجهات، ويقيني أنَّ تلك الحالة الخذلانيَّة والمتخلِّفة التي تغلب على بعض الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة المصرَّة على التمسُّك بتلك الموروثات البشريَّة التي انتفخت بها المكتبات، حتَّى أصبحت كغثاء السَّيل، كما ورد في الحديث الصحيح، عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الذي قال فيه: (يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عليكُمْ الأُممُ مِن كُلِّ أُفُقٍ، كمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِها، قِيلَ: يَا رسولَ اللهِ ! فمِنْ قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال: لا، ولكنَّكُم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكُم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قُلوبِ عَدُوِّكُم؛ لِحُبِّكُمُ الدُّنيَا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ).

وبعد كل هذه الآيات الكريمة، نجد أنَّ بعضًا من أبناء الأمة الإسلاميَّة يتغنُّونَ دومًا بعبارة نحنُ نحكمُ بشرعِ اللهِ -أقصد هنا فقط فيما يتعلَّق بالعباداتِ والحدودِ والتعزيرِ والمحرَّماتِ- لكن الواقع أنَّ الأغلب فيما يسمُّونه هو شرع البشر، فلماذا لا يكون ذلك الشَّرع شرعَ الله تعالى، الذي تضمَّنه كتابُه الكريمُ؛ لأنَّ اللهَ شهدَ بأنَّه أَكمَلَهُ وأتمَّهُ وفصَّلَهُ وبيَّنَهُ، ولمْ يفرِّطْ في شيءٍ منهُ؟! واللهُ من وراءِ القصدِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store