وصل الحال في بعض المستشفيات الخاصَّة، إلى أنَّ «علاقات المرضى» تحوَّلت من جسر رحمة، إلى حاجز بيروقراطي. المفترض أنْ تكون هذه الإدارة هي المساحة التي تخفِّف جفاف المعلومة الطبيَّة، وتعيد إنسانيَّة العلاقة بين المريض والطبيب، لكنَّها في الواقع -في كثير من الأحيان- لا تزيد المريض إلَّا ضيقًا فوق مرضه.
أنا شخصيًّا مررتُ بتجربة مع طبيب في أحد المستشفيات الخاصَّة، تجربة لا أعمِّمها بطبيعة الحال، ولا أنكرُ الدور العظيم للأطبَّاء، لكنَّني فُوجئتُ ببرود الأسلوب، لم أجد كلمةً دافئةً، ولا لمسةً إنسانيَّةً، وإنَّما جفاء يضاعف قلق المريض، بدل أنْ يطفئه. ولأنَّ المريض لا يملك طاقةً للدخول في معارك شكوى ودوامة استمارات، كثيرون يصمتون، ثم يغادرون وفي داخلهم غصَّة.
وفي مشهد آخر، على مواقع التواصل الاجتماعي، شاهدتُ سيدةً تحكي تجربتها المؤلمة: نُقلت إلى المستشفى من مقر عملها، وهي في أزمة تنفسيَّة صعبة. لكنَّها -على حد قولها- وجدت نفسها أمام وابل من الأسئلة الماليَّة من موظَّفي الاستقبال: «هل دفعتِ المبلغ؟ مَن سيتكفَّل؟ أينَ الضمانُ؟»، المشهد بدا صادمًا؛ لأنَّها كانت بين الحياة والموت، ورغم وضوح الأنظمة التي تشدِّد على عدم تأخير أيِّ مريض منقول عبر الإسعاف، فإنَّ الواقع كان مختلفًا. تقول السيدة إنَّها بعد أنْ أعطيت «المغذيَّة» استجمعت قواها، وخرجت بنفسها إلى السيَّارة لتحضر النقود وتدفعها، وهي في أضعف حالاتها، أليس هذا مشهدًا أقربَ إلى رُواية مؤلمةٍ منه إلى موقفٍ في مستشفى؟!
قد يقول قائل: هذه حالات فرديَّة، وللمستشفيات الخاصَّة أنظمتها ومقتضياتها الاقتصاديَّة. لكنَّ السؤال الذي يظلُّ معلَّقًا: أينَ البعدُ الإنسانيُّ؟ أينَ تلك «الإنصات الرحوم»، الذي يميِّز مهنة الطبِّ عن أيِّ مهنة أُخْرى؟ وهل يُعقل أنْ تُختزل العلاقة بين المستشفى ومريضه في إيصالات دفع، ونماذج شكوى، بينما الأساس كلمة مواساة، وابتسامة صادقة!
نقطة تحت السطح:
قد لا يذكر المريض اسم الطبيب، ولا لون الجدار في غرفة الطوارئ، لكنَّه أبدًا لا ينسى الأسلوب الذي عُومل به ساعة ضعفه.


