Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

أسطورة ترومان وعالم البراكين

A A
في عمق غابات ولاية واشنطن الأمريكيَّة، وتحت ظلال جبل سانت هيلين الشَّامخ، برزت قصَّتان متوازيتان لشخصيَّتين مختلفتين، اتَّحدتا في المصير نفسه، رغم اختلاف الدوافع. الأولى لرجلٍ عنيدٍ عشق أرضه، ورفض تركها، والثانية لعالم شاب التزم بواجبه حتَّى النهاية. كلاهما واجها بركانًا غاضبًا، لكن بروح مختلفة.

هاري ترومان، المولود عام 1896، عاش حياةً مليئةً بالمغامرات. خاض الحرب العالميَّة الأولى، ثمَّ استقرَّ ليبني منتجعًا صغيرًا عند سفح الجبل، يستقبل فيه الصيَّادِين وعشَّاق الطبيعة. امتلك شخصيَّةً مرحةً، جعلته محبوبًا لدى زوَّاره، لكنَّه ظلَّ مرتبطًا بأرضه ارتباطًا عاطفيًّا لا يتزعزع.

مع بداية عام 1980، بدأت التحذيرات تتصاعد، بعد أنْ اهتزَّت الأرضُ، وظهرت مؤشرات الانفجار. غادر السكَّان محيط الجبل، لكنَّ ترومان رفض كل النداءات. كان ردُّه الشَّهير لرجال الدفاع المدني: «لن يخرجنِي أحدٌ من منزلِي! عشتُ هنا طوالَ حياتي، ولنْ أتركَ بيتي؛ بسببِ كومةٍ من الرَّماد!». بالنسبة له، كان الجبل بيتًا ورفيقًا، لا تهديدًا.

على الطرف الآخر، وقف ديفيد جونستون، عالم الجيولوجيا الشاب في هيئة المساحة الجيولوجيَّة الأمريكيَّة. كان مكرِّسًا لعمله، يتابع بدقَّة كلَّ تغيُّر في نشاط الجبل من مركز لمراقبته. لم يكن بقاؤه عنادًا، أو حبًّا شخصيًّا، بل التزامًا علميًّا ورغبةً في حماية الآخرين بتحذيرات دقيقة، قد تُنقذ حياة المئات. كان يدرك أنَّ الخطرَ قادمٌ لا محالة، لكنَّه آثر البقاء على الخطِّ الأماميِّ.

وجاء صباح الثامن عشر من مايو (أيار) 1980 ليحمل الكارثة. انفجر جبل سانت هيلين بقوَّة غير مسبوقة، مطلقًا غيومً من الرَّماد، وموجاتٍ مدمِّرة اجتاحت الغابة، والبحيرة، والمنتجع. في اللَّحظة الحاسمة، أرسل جونستون عبر الراديو تحذيره الأخير: «فانكوفر، فانكوفر، لقد حان الوقت!» وبعد ثوانٍ طمستْ قوَّة البركان صوتَه وموقعَه إلى الأبد. أمَّا ترومان، فقد بَقِيَ في بيته عند البحيرة، ليواجه مصيره الذي اختاره بملءِ إرادتِهِ.

اختفى المنتجعُ مع كلِّ معالم المكان، وابتلعَ البركانُ الرَّجلَينِ اللَّذينِ بقيَا حتَّى النهايةِ. ومع ذلك، بقيتْ قصَّتهُما حيَّةً، تُروى كتجسيدٍ لوجهَين مختلفَين من الالتزام: التمسُّك بالأرضِ حتَّى الموت، والإخلاص للعلمِ.

قد يرى البعض في عناد ترومان تهوُّرًا، لكنَّه يرمزُ إلى علاقة الإنسان العاطفيَّة العميقة بموطنه. أمَّا جونستون، فكان مثالًا للعالِم الذي يضع مسؤوليَّته تجاه الآخرين فوق أيِّ اعتبارٍ شخصيٍّ. ورغم اختلاف دوافعهما، فقد رحلَا معًا، ليصبحَا جزءًا من أسطورةِ جبلِ سانت هيلين.

تبقى قصَّة ترومان وجونستون تذكيرًا خالدًا بأنَّ الشجاعة الإنسانيَّة تظهر بأشكال متعدِّدة، فمنها شجاعة القلب المتمسِّك بجذوره، وشجاعة العقل الملتزم برسالته. وهذه القصَّة تعلِّمنا أنَّ الوفاء -سواء كان لأرضٍ أو لواجب- هو قيمة إنسانيَّة سامية، تخلد أصحابها حتى عندما تختفي المعالم المادية. كما تظهر أنَّ الموت في سبيل ما تؤمن به ليس نهاية، بل تحول إلى رمز وإرث يتجاوز حدود الزمان والمكان.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store