يُعتبر مقهى «نيويورك»، أحد أقدم المقاهي في العاصمة المجريَّة «بودابست»، حيث تعود قصته إلى عام 1864م، عندما قرَّرت شركة «نيويورك للتأمين على الحياة» افتتاح مقرها الأوربي في «بودابست». إنَّ ثقافة بناء المقاهي في المجر، لم تبدأ إلَّا بعد بناء الإمبراطوريَّة النمساويَّة - المجريَّة في عام 1867م؛ فقد تم افتتاح حوالى خمسمئة مقهى في أرجاء المدينة في تلك الفترة، وكان مقهى «نيويورك»، أحد أشهر هذه المقاهي، حيث يمتد طابور الراغبين في دخوله لتناول الشاهي والحلوى على طول شارع «إليزابيت»، وهو أحد الشوارع الرئيسة في «بودابيست».
يقول الشيف وناقد الطعام المجري «أندراس غوكوتي»: (إنَّ مقهى «نيويورك» لم يكن مكانًا للأثرياء فقط، ولكنَّه كان بمثابة مكان لالتقاء الفنَّانين الفقراء)، ويضيف: (لقد كانُوا يذهبُون إليه على أمل أنْ يكون هناك بعض من الأثرياء الكرماء الذين قد يقدِّمون لهم وجبة طعام يتناولونها، مقابل كتابة قصيدة غزل لزوجاتهم، أو مقابل مساعدة أحد هؤلاء الأثرياء في صياغة خطاب).
وكان هذا العمل أحد أسباب ميلاد الحركة الأدبيَّة «نيو غات»، التي اتَّخذت هذا الاسم من مجلة دوريَّة مجريَّة كانت تقوم بنشر الأعمال الأدبيَّة لكُتَّاب المقهى، لذلك لم يكن مقهى «نيويورك» مجرد مكان لتناول المشروبات وبعض الوجبات، وإنَّما نقطة الانطلاق الأولى للحركة الأدبيَّة الحديثة في المجر؛ لأنَّه أصبح مكانًا يتجمَّع فيه الكُتَّاب والشُّعراء المجريُّون الأكثر شهرةً.
وهناك قصة طريفة تقول: (إنَّه في ليلة افتتاح المقهى، كان هناك مجموعة من الكُتَّاب داخل المبنى، من بينهم الكاتب والمؤلِّف المجري «فيرينك مولنار»، وقد أُعجبوا به للغاية، لدرجة أنَّهم قاموا بإلقاء مفتاح باب المقهى الرئيس في نهر الدانوب؛ لكي يبقى المقهى مفتوحًا طوال الوقت).
وبالرغم من الشعبيَّة الكبيرة للمقهى، خصوصًا بين الكُتَّاب والأدباء، إلَّا أنَّ الأحداث التي مرَّت بالمجر، والتي من أهمها الحربان العالميتان الأولى والثانية، إضافة للاحتلال السوفيتي لهنغاريا، كان لها تأثير مدمر على المقهى؛ لأنَّه في العصر الشيوعي تم إغلاق العديد من مقاهي «بودابست»، بما فيها مقهى «نيويورك»، والذي تحول إلى مطعم لتقديم الوجبات، ثم متجر لبيع الأدوات الرياضية، وفي عام 2001م، تم شراء المبنى من قِبل مجموعة «بوسك ولو» التي قامت بترميمه وتحويله لفندق فخم، وقامت بإعادة تصميم المقهى الواقع في الطابق الأرضي، مع وضع بعض اللوحات الجداريَّة، والتي منها لوحة «تمثال الحرية»، وقامت بإعادته إلى مجده السابق، وتم افتتاح المقهى عام 2006م، ولكن من غير المحتمل أنْ تجد أيَّ كاتب أو أديب موجودًا في المقهى، كما كان في السابق، وتحول المكان اليوم إلى معلم سياحي أكثر من كونه مقهى يرتاده الزبائن.


