من مكة المكرمة ومن جوار الحرم الشريف، استضاف نادي مكة الثقافي ندوة في غاية الأهمية عن الواقع الراهن لخطابنا الثقافي واستشراف المستقبل، وذلك في منتصف عام 1429هـ، أي قبل 17 عاماً.
جاء ذلك في وقت يشهد فيه الخطاب الثقافي - وما زال- حركة تطور وتشكل في صياغة المضمون والآلية.
لم يكن ذلك بسبب تغير مجريات الأحداث بفعل العولمة الوافدة، وإنما لأمور أخرى عديدة، لعل من أهمها أن الثقافة في حد ذاتها في تغير مستمر، وهو ما تشهده حالياً استجابة لإستراتيجية التنمية الشاملة، الاقتصادية منها والاجتماعية بمفهومهما الواسع.
وبالتالي فإن دور الخطاب الثقافي يلزمه التكامل في هذه المسارات، وتحقيق التفعيل الإيجابي مع هذه السياسات. ولا يفوتنا في هذا الجانب أن نذكر الأهمية القصوى لإجراء المراجعة التي تستدعي التقويم واستحضار ما تم تهميشه، وإعادة ترتيب سلّم الأولويات، وهو ما نلحظه بوضوح ضمن السياسة الحالية لوزارة الثقافة.
أتذكّر النقلة التصحيحية أو ما يسميها البعض بالمنعطف التاريخي لفعالية الجنادرية في عام 1423هـ؛ والمبادرة فيها بالخطاب الديني وتأثيره المتبادل مع التيار الثقافي. فالمعروف أن أية نهضة وإصلاح ديني يمتد أثرها الفاعل إلى سائر مناشط الحياة.
ولعلي أذكر كذلك أن ذلك الأمر عزز التوجه، وظهر في خطبة العيد لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد التي ذكّر فيها الأمة بالمغزى الشرعي لإشراقة العيد وبهجته، وأصبحنا نفرح بالعيد وبمقدمه.
وفي العام نفسه أصدرت أمانة مدينة الرياض كتاباً احتفالياً ضخماً بالعيد، وتوّجته بخطبة عيد الفطر بالحرم المكي.
من الجانب الآخر لندوة نادي مكة الثقافي عن واقع الخطاب الثقافي واستشرافه للمستقبل، ظهر ما يميز هذا الملتقى على المستوى الإنساني، وهو إدراك النادي لمسؤولياته الأدبية تجاه المرأة السعودية؛ وأهمية تقديمها بشكل يؤكد قناعته بدورها الموازي للرجل، وهي خطوة سابقة بأن دعا امرأة قبل 17 عاماً لتقديم كلمة المشاركين والمشاركات، وقامت بهذا الدور الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد، وأكدت على ضرورة المشاركة النسائية في المجتمع السعودي، ثم عرجت على موضوع الخطاب الثقافي في قوة شدّت الحضور ونالت الاستحسان.
ويحسب للملك عبدالله – يرحمه الله- مبادرات عديدة في استشراف المستقبل للخطاب الثقافي، ليس من خلال الجنادرية فحسب، بل بقراره التاريخي بتعيين 20% من العنصر النسائي في مجلس الشورى، واصطحابه لعدد من سيدات المجتمع لرحلاته إلى الخارج.
ويشهد عهد الملك سلمان وسمو ولي عهده تنوعاً وثراء ثقافياً ومعرفياً، يركز فيه الخطاب الثقافي على تعزيز الهوية وإبراز مكانة اللغة العربية، والاهتمام بالموروث التاريخي ودعم الإبداع، والارتقاء بمكانة المملكة الثقافية ضمن مسارات الانفتاح على العالم، في ظل تأسيس وزارة الثقافة والهيئة العامة للثقافة، وإنشاء عدد من الكيانات الثقافية المتميزة، وليصبح القطاع الثقافي جزءاً من مشروع التحول الوطني الذي تقوده رؤية المملكة 2030، باعتباره أحد القطاعات الواعدة التي تعزز مسيرة النمو والازدهار.
[email protected]


