Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

ول

A A
ول، هي من أجمل دلالات التعجب في لغتنا الجميلة.. وتطبيقاتها كثيرة بسبب الممارسات العجيبة التي تصدر عن البشر يومياً.. ولكن عندما تصدر تلك الممارسات في السياسة الخارجية للدول العظمى، أو حتى من كيانات لا ترتقي لمستوى الدول، فهي تحتاج لوقفات تأمُّل جادة.. وأحد أجمل الأمثلة على ذلك كان في ثالث سنة من الحرب العالمية الأولى بين دول المحور وأهمها ألمانيا، والنمسا والمجر، وبلغاريا، والإمبراطورية العثمانية من جانب، والحلفاء بريطانيا، وفرنسا، وروسيا من جانب آخر.. وكانت أمريكا على «الحركرك».. والتزمت بالسياسة الانعزالية بعيداً عن الحرب.. وخلال تلك الفترة كانت مستعمرات الحلفاء أكثر وأكبر بكثير من مستعمرات ألمانيا.. كانت تشمل مصر، وعدن، وسوريا، ولبنان، والهند، وأستراليا، وكندا، والجزائر.. وأكثر من نصف مساحة الكرة الأرضية.. ولذا، حرصت السياسة الخارجية الألمانية على تأليب بعض تلك الدول ضد المستعمرين.. مبدأ «نكِّد على جارك، وبات غنّي».. ركزت ألمانيا على دعم الفكر الإسلامي المناهض للاستعمار في الدول الإسلامية، وتشجيع وتمويل حركات المقاومة الهندية ضد الاستعمار البريطاني، ودعم المقاومة الإيرلندية ضد الإنجليز.. والأهم من كل هذا دعم الحركة «البولتشيكيفية» الشيوعية لقلب النظام الروسي الإمبراطوري لكي تخرج من الحرب.. ونجحت ألمانيا في كل هذا بدرجات متفاوتة.. ولكن الجائزة الكبرى التي كنت تطمح إليها كانت التآمر مع المكسيك، وهي جارة أمريكا الجنوبية، لكسب الاتحاد معها في حالة دخول أمريكا الحرب العالمية في أوروبا.. والموضوع ببساطة كان رغبة ألمانيا في الاتحاد لاستعادة الأراضي المتنازع عليها بين أمريكا والمكسيك، وتشمل ولايات تكساس، ونيو مكسيكو، وأريزونا.. تخيّلوا الجرأة.. المساحة المعنية تفوق نصف مساحة المملكة.. ولتحقيق ذلك أرسل وزير الخارجية الألماني «آرثر زيمرمان» برقية مشفرة إلى السفارة الألمانية في واشنطن بتاريخ 17 يناير 1917؛ لكي ترسل إلى القيادة المكسيكية. وحيث إن الكابلات البحرية الألمانية التي كانت تحمل رسائل التلغراف كانت معطلة، فأرسلت الخارجية الألمانية الرسالة المشفرة عن طريق السفارة الأمريكية في ألمانيا.. وفي الطريق، تم اعتراض مسارها، وفك طلاسمها وشيفرتها من قيادة الاستخبارات البحرية البريطانية في لندن بطرق عبقرية، فانكشفت المؤامرة، وقامت الحكومة البريطانية بنشر تفاصيل المؤامرة لقلب الرأي العام الأمريكي ضد ألمانيا، وتأييد دخول الحرب.. ونجحت الفضيحة في تحول سياسة الولايات المتحدة بالكامل، فدخلت الحرب بكامل قوتها العسكرية الهائلة بتاريخ 6 إبريل 1917.. وبذلك تم ترجيح كفة الحلفاء وخسرت ألمانيا خلال فترة حوالى 18 شهر.. كله بسبب سوء تقدير التلغراف المشؤوم.. ويستخدم هذا المثال كأحد أفضل الأمثلة التاريخية لتطبيق كلمة «ول».

وقبل حوالى أسبوع، فوجئ العالم بجريمة الاعتداء على الأجواء والأراضي القطرية الشقيقة بطريقةٍ سافرة من قوات الكيان الصهيوني.. فقامت بقتل ستة أنفس، ودمَّرت بعض المنشآت، علماً بأن قطر ومصر كانتا مفتاح الوساطة السلمية الرئيسة في التفاوض بين الأطراف المعنية لإنهاء الحرب على المدنيين في غزة، وبالتالي تعتبر قطر من عناصر السلام لجميع الأطراف. * أمنيــــــــــة:

الاعتداء على السيادة القطرية ضمن سلسلة الاعتداءات على الدول العربية، أكدت للعالم حقيقة الكيان، وعدم اهتمامهم بالسلام، وأبسط حقوق الإنسان والقوانين الدولية.. أتمنى أن تُسجَّل هذه الغلطة الكبرى ضمن الأخطاء السياسية الكبيرة في التاريخ الحديث، فالمتوقع أن تكون خسائرها كبيرة، وطويلة الأمد على السلام العالمي.. وهنا تُطبَّق كلمة «ول» بجدارة.. وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store