العلم ضروري لتقدُّم الإنسان، فهو يُنير العقل، ويهديه لطرق الخير، ويُساعده في حل المشكلات، ويساهم في تحسين مستوى المعيشة، ويُنظِّم الحياة، ويجعلها أكثر رفاهية، وصدق الشافعي حين قال: «مَن أرادَ الدُّنيَا فَعَليهِ بِالعِلْمِ، ومَن أرادَ الآخرةَ فَعَليهِ بِالعِلْمِ، ومَن أَرادَهُمَا معًا فَعَليهِ بِالعِلْمِ».
ما دعاني للكتابة في هذا الموضوع، رسالة وصلتني تحكي قصة «عبدالملك الأصمعي» و»البقَّال»، أترككم معها بدون تعليق:
قال الأصمعيُّ أحد أئمة العلم باللغة: كنتُ بالبصرةِ أطلبُ العلمَ وأنا فقيرٌ، وكان جارُنا بقَّالًا، إذا خرجتُ باكرًا يقولُ لي إلى أينَ؟ فأقولُ إلى المحدِّث، وإذا عدتُ في المساءِ يقولُ لي من أينَ؟ فأقولُ له من عند فلان الإخباريِّ، أو اللغويِّ، فيقولُ: يا هذا، اقبلْ وصيَّتي، أنتَ شابٌّ فلا تضيِّع نفسك في هذا الهُراء، واطلبْ عملًا يعودُ عليك نفعه، فوالله لو طلبتَ منِّي بجميع كتبِكَ جزرةً ما أعطيتُكَ!.
يقول الأصمعيُّ: فلمَّا ضاق صدري بمداومته هذا الكلام، صرتُ أخرجُ من بيتي ليلًا، وأدخله ليلًا، وحالي في خلال ذلك تزدادُ ضيقًا، حتى اضطررتُ إلى بيع ثيابي، وبقيتُ لا أهتدِي إلى نفقة يومي، وطال شعري، واتَّسخ بدني وثيابي.
وبينما أنا على تلك الحالة متحيِّرٌ في أمري، جاءني خادمُ الأمير «محمد الهاشمي»، فقال لي: أجب الأمير، فقلتُ للخادم ما يصنعُ الأميرُ برجلٍ بلغَ به الفقرُ إلى ما ترَى؟.
ولمَّا رأى سوءَ حالي، وقبحَ منظري، رجعَ فأخبرَ الأميرَ بخبري، ثمَّ عاد إليَّ ومعه تخوتُ ثيابٍ، ودرجٌ فيه بخورٌ، وكيسٌ فيه ألفُ دينارٍ، وقال: قد أمرني الأميرُ أنْ أدخلكَ الحمَّام، وألبسكَ من هذه الثياب، وأطعمكَ من هذا الطعام، وأبخِّركَ، لترجعَ إليك نفسُك، ثمَّ أحملكَ إليه، فسررتُ ودعوتُ له، ومضيتُ حتى دخلت على الأمير، فلمَّا سلَّمتُ عليه، قرَّبنِي ورفعنِي ثمَّ قال: يا عبدالملك، قد سمعتُ عنكَ، واخترتكَ لتأديبِ ابن أميرِ المؤمنِينَ، فتجهَّز للخروجِ إلى بغداد.
ولمَّا وصلتُ إلى بغدادَ دخلتُ على أمير المؤمنِينَ «هارون الرَّشيد» فقال لي:
أنتَ عبدالملك الأصمعي؟ قلتُ: نعم يا أميرَ المؤمنِينَ؛ قال: اعلم أنَّ ولد الرَّجل مهجةُ قلبهِ، وها أنا أسلِّم إليكَ ابني محمَّدًا بأمانة الله، فلا تُعلِّمه ما يفسد عليه دينَه، فلعلَّه أن يكونَ للمسلمِينَ إمامًا، قلتُ السمعُ والطاعةُ، فأخرجه إليَّ، فأقمتُ معه حتى قرأ القرآنَ، وتفقَّه في الدِّين، وروى الشِّعر واللُّغة، وعلم أيَّام النَّاس وأخبارهم، وأجرى أمير المؤمنين عليًّ في كلِّ شهرٍ عشرة آلافِ درهمٍ.
جنيتُ بذلك مالًا عظيمًا، اشتريتُ به عقارًا وضِياعًا، وبنيتُ لنفسي دارًا بالبصرة، فلمَّا عمرتِ الدارُ وكثرتِ الضياعُ، استأذنتُ الرشيد في الانحدار إلى البصرة، فأذن لي.
فلمَّا جئتها أقبلَ عليَّ أهلُها للتحيَّة، وقد فشت فيهم أخبارُ نعمتي، وتأمَّلتُ مَن جاءني، فإذا بينهما «البقَّال» وعليه عمامة وسخة، وجبَّة قصيرة، فلما رآني صاح: عبدالملك!.
فضحكتُ من حماقتهِ ومخاطبتهِ إيَّاي بما كان يخاطبنِي به الرَّشيد، ثمَّ قلتُ له: يا هذا، قد -والله- جاءتني كتبِي بما هو خيرٌ من الجزرة! انتهت القصة.


