- ما نعتبره منطقيًّا، ليس إلَّا مجموعة من المشاعر الدفينة المتراكمة المتشابكة، تُحدِّد أفكارنا، وتصرُّفاتنا، وردود أفعالنا.. إنَّها المشاعر التي تقودنا وليس العقل، إنَّما العقل منظِّم لتلك المشاعر والرغائب العميقة، وليس حاكمًا عليها. يقول (ديفيد هيوم): «العقلُ عبدٌ للمشاعر، ولن يكون له أيُّ سلطة إلَّا في خدمتها وطاعتها».
- وفي المواجهة المزمنة بين العاطفة والعقل، تنتصر العاطفة عادةً في أهم المواقف وأصعبها. إنَّ الإنسان كائنٌ تتحكَّم فيه القوى العاطفيَّة أكثر من العقليَّة المنطقيَّة، لذلك من الممكن أنْ نطلق على مجموعة أفعالنا وانفعالاتنا اسم: «العقل العاطفي». يقول المؤرِّخ (غوستاف لوبون): «في كفاحها الأبدي ضد العقل، لم تنهزم العاطفة أبدًا».
- لذا، برزت أهميَّة الفلسفة في المساعدة على تحكيم التفكير النقديِّ، والتأمُّل والتمييز بين الخطأ والصَّواب، والتوازن في إبداء المشاعر، وإظهار الانفعالات وتأثيرهما على الأحكام، حسنها وسيِّئها. يقول الفيلسوف (جيل دولوز): «إنَّ غياب الفلسفة يعني وجود الغباء في أعلى مستوياته.. إنَّ مهمَّة الفلسفة هي مقاومةُ الغباءِ».
- يؤكِّد (ابن خلدون) على تحكُّم الأهواء والولاءات في سرد التاريخ، ولهذا يدعو إلى إعمال العقل في الأخبار التاريخيَّة، حتى يتبيَّن للعقل زيف وكذب وخطأ كثير من أخبار التاريخ. فالإنسان بعاطفته المتحيِّزة يميل إلى المبالغة والزيادة والإخفاء؛ عند سرد الأخبار وتدوين أحداث التاريخ!.
- العقل.. أداة لمساعدة الإنسان في صراعه من أجل البقاء، ويمكن استخدامه في الغرض ونقيضه، والفكرة ومضادها.. وهو يُعدُّ منطقيًّا أو غير منطقيٍّ تبعًا للتفاعل المجتمعيِّ والمعايير الاجتماعيَّة من خيرٍ وشر، وحق وجبروت.. فتراه يتأرجح تبعًا لمصلحته الوجوديَّة.
- واقعيًّا، تستمر الحياة بدوافع غريزيَّة بحتة، وليس التفكير والطموح والشغف إلَّا مظاهر لتلك الدوافع.. لذلك، يلجأ الإنسان إلى كل الوسائل لإشباع تلك الغرائز التي تضغط عليه وتخدعه؛ باسم المجد والشهرة والعمل الصالح!. يقول (فرويد): «الغرائز أقوى من العقل، والهوى أغلب من المصلحة».
- النَّفس البشريَّة في غاية التعقيد والاضطراب الانفعاليِّ، وكل المستطاع هو محاولة الفهم، وهو ليس متاحًا إلَّا لنوادر من العقول السامية المتجرِّدة، لذا، نحن البشر، لسنا على وفاق مع بعضنا؛ لأنَّنا لا نفهم أنفسنا، ناهيك عن الآخرين.


